مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: الصمود وكسر الهيبة الأمريكية: قراءة في مآلات الجولة الأولى واحتمالات الجولة الثانية

لم يعد الصراع الدائر في المنطقة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لموازين القوة وللصورة الذهنية التي ترسخت لعقود حول الهيمنة العسكرية الأمريكية. وفي هذا السياق يرى بعض المراقبين أن إيران تمكنت من تحقيق مكاسب في الجولة الأولى من المواجهة، بينما تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما أمام تحديات متزايدة مع دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيدًا.

الجولة الأولى: ضربات عسكرية وتداعيات أوسع

في المرحلة الأولى من التصعيد، نفذت إيران سلسلة ضربات استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، أسفرت عن تدمير أو تعطيل عدد منها. ولم تكن أهمية هذه الضربات عسكرية فحسب، بل حملت أيضًا أبعادًا سياسية واقتصادية، إذ بدأت تثير تساؤلات أوسع حول مدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على صورة الردع التي بنتها عبر عقود.

كما شملت الهجمات أهدافًا إسرائيلية حساسة. وتشير تحليلات عسكرية إلى أن طهران قد تكون تعمدت في البداية استخدام صواريخ قديمة نسبيًا، في محاولة لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي وكشف مواقعها وقدراتها. وبعد هذه المرحلة، ركزت الضربات على الرادارات والقواعد الجوية ومراكز القيادة والاستخبارات، ما ألحق أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية وأضعف القدرة على الرصد المبكر والاستجابة الفعالة.

مضيق هرمز: عقدة الجغرافيا والاستراتيجية

شكل إغلاق مضيق هرمز أحد أبرز التطورات الاستراتيجية في هذا الصراع. فهذا الممر البحري يعد من أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي.

وقد أدى هذا التطور إلى إرباك الحسابات الأمريكية، إذ اضطرت بعض القطع البحرية، بما فيها حاملات الطائرات، إلى الابتعاد عن نطاق الصواريخ المضادة للسفن. غير أن معادلة السيطرة على المضيق تبقى شديدة التعقيد؛ فالسواحل الإيرانية الممتدة في الخليج مزودة بمنظومات صاروخية ساحلية، إضافة إلى أسطول من الزوارق السريعة المسلحة بالطوربيدات والصواريخ والرشاشات الثقيلة، فضلًا عن الألغام البحرية.

ولهذا يرى عدد من الخبراء العسكريين أن فتح المضيق بالقوة قد يكون مهمة شديدة الكلفة، حتى في حال تشكل تحالف دولي واسع.

التحول في الصورة الذهنية

أحد أبرز آثار هذه المواجهة يتمثل في التحول المحتمل في الصورة الذهنية للقوة الأمريكية والغربية في المنطقة. فالدول الخليجية ودول الشرق الأوسط تراقب التطورات عن كثب، وقد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية في ضوء ما يجري.

فإذا استمر الصراع في إظهار حدود القوة الأمريكية، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة صياغة معادلات الردع والتحالفات في المنطقة.

الداخل الإيراني: تعبئة سياسية واجتماعية

على الصعيد الداخلي، يبدو أن الصراع ترك أثرًا كبيرًا في المجتمع الإيراني، خصوصًا بين الأجيال الشابة التي لم تعش تجربة الثورة الإيرانية ولا الحرب العراقية الإيرانية.

هذه الأجيال كانت قد تأثرت أيضًا بالمشاهد القادمة من غزة خلال الأشهر الماضية، ومع تصاعد الضربات العسكرية داخل إيران، بدأ كثير من الشباب يتعامل مع الصراع بوصفه تجربة مباشرة وليست مجرد روايات تاريخية.

وقد ساهمت المواقف الرمزية للقيادة الإيرانية في تعزيز حالة التعبئة الداخلية، حيث تداول الإيرانيون مشاهد تؤكد بقاء القيادة في مواقعها رغم المخاطر، وهو ما انعكس في استمرار خروج مظاهرات حاشدة تندد بالهجمات وتؤكد التمسك بالصمود.

الجولة الثانية: تحديات الإمداد وتوسيع نطاق المواجهة

مع انتقال الصراع إلى جولة ثانية، تشير تقديرات مختلفة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان ضغوطًا في مخزونات بعض منظومات الدفاع الصاروخي والذخائر المتخصصة، في حين تبدو خطوط الإمداد البحرية الأمريكية أكثر عرضة للضغط مع اتساع نطاق العمليات.

وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن تحاول توسيع نطاق المواجهة عبر إشراك أطراف إقليمية ودولية أخرى في الصراع. وتذهب بعض التحليلات إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لدفع دول أوروبية وخليجية إلى الانخراط في المواجهة بشكل مباشر أو غير مباشر.

كما ظهرت مؤشرات على استخدام مجموعات مسلحة وطائرات مسيرة في محاولات لجر دول مجاورة لإيران إلى دائرة الحرب، في خطوة قد تؤدي إلى توسيع رقعة الصراع.

معضلة الغزو البري

يبقى الخيار الأكثر خطورة في أي تصعيد محتمل هو سيناريو الغزو البري لإيران. فإيران دولة واسعة المساحة، ذات تضاريس معقدة وقدرات عسكرية وبشرية كبيرة. ولهذا يحذر كثير من الخبراء العسكريين من أن أي محاولة لشن حرب برية ضدها قد تتحول إلى صراع طويل ومكلف للغاية.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث لم يعد الصراع مجرد مواجهة محدودة، بل قد يكون بداية لتحولات أوسع في توازنات القوة الإقليمية والدولية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى