ملفات وتقارير

في ذكرى ثورة 1919..حين التقت رغبة الزعامة في الاستقلال مع إرادة شعبية كاسحة

يُرجع الكاتب عبد الرحمن الرافعي أسباب اندلاع ثورة 1919 إلى تذمر الشعب على الاحتلال البريطاني الذي تدخل في كافة شؤون البلاد ووضعها تحت الأحكام العرفية، وتطلعه إلى الاستقلال خاصة بعد إصدار الرئيس الأمريكي وودور ولسن للمبادئ الأربعة عشر وما تضمنته من حق الشعوب في تقرير مصيرها.

تقدم الزعيم سعد زغلول مع تصاعد الأحداث بصفته وكيل الجمعية التشريعية، ليمثل الشعب بغرض السفر إلى مؤتمر الصلح في باريس لعرض مطالب مصر بالاستقلال، وهو ما عرضه مع زميليه عبدالعزيز فهمي وعلي شعرواي على المعتمد البريطاني السير ريجنالد ونجت في لقاء يوم 13 نوفمبر 1918 الذي لم يتجاوب مع طلبهم وإنما نصحهم بالروية زاعمًا أن الشعب المصري ليس مستعدًا للاستقلال.

ثم جاءت مرحلة جمع التوكيلات ليكون للوفد الصفة الرسمية للتفاوض نيابة عن الأمة، إلا أن السلطات البريطانية رفضت سفر الوفد إلى مؤتمر باريس، مما دعا سعد زغلول إلى إلقاء الخطب السياسية عن الاحتلال البريطاني ورغبة الأمة في الاستقلال، مما ألهب المشاعر وساهم في تطور الأحداث بعد ذلك.

حقق تقرير المصير

تاريخيًا بدأت وقائع الثورة بالتصريح الذي أعلنه الرئيس الأمريكي وودرو ولسن في 8 يناير 1918 في نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918) متضمنًا أربعة عشر مبدأً لإنهاء النزاع الدولي، تضمنت “حق تقرير المصير للشعوب المغلوبة على أمرها”. ولما قرأ الأمير عمر طوسون حفيد محمد سعيد باشا (والي مصر 1854 – 1863) تلك المبادئ تبلورت في ذهنه فكرة تشكيل وفد للمطالبة بحق تقرير المصير الذي نادى به الرئيس الأمريكي، وصارح محمد سعيد باشا رئيس الحكومة المصرية (فبراير 1910-أبريل 1914) بهذه الفكرة، فنصحه بالابتعاد عن هذا الطريق كي لا يثير فضول السلطان أحمد فؤاد (الملك فيما بعد)، وقال له إنه سوف يرتب له مقابلة مع سعد زغلول باعتباره وكيل الجمعية التشريعية التي توقفت عن الاجتماعات فور إعلان الحرب وصدور الأحكام العرفية.

على أساس مبادئ الرئيس الأميركي ولسن طلب سعد زغلول وزميلاه عبد العزيز فهمي وعلى شعراوي، مقابلة المندوب السامي البريطاني ريجنالد وينجتRignald Wingateلعرض مطلب المصريين في حق تقرير المصير. وقد تمت المقابلة في 13 نوفمبر (1918). وفيتلك المقابلة طلب الثلاثة – بصفتهم نواب الأمة في الجمعية التشريعية– أن تعترف إنجلترا باستقلال مصر، وأنهم مستعدون في مقابل هذا أن ترتبط مصر بإنجلترا بمعاهدة صداقة يكونان فيها ندين متساويين، ويتعاونان معًا في مواجهة الظروف الدولية. وقد اعتبر المندوب السامي البريطانى المقابلة غير رسمية على اعتبار أن هذا الوفد ليست له صفة رسمية.

انطلاق الثورة

بدأت أحداث الثورة في صباح يوم الأحد 9 مارس 1919، بقيام الطلبة بمظاهرات واحتجاجات في أرجاء القاهرة والإسكندرية ثم بقية المدن المصرية. وتصدّت قوات الإحتلال للمتظاهرين بإطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

  • استمرت أحداث الثورة إلى شهر أوت وتجددت في أكتوبر ونوفمبر، لكن وقائعها السياسية لم تنقطع واستمرت إلى 1922، وبدأت نتائجها الحقيقية تتبلور سنة 1923 بإعلان الدستور والبرلمان.
  • كان لتأليف “الوفد المصري” الذي سافر إلى “مؤتمر باريس للسلام”، لمناقشة القضية المصرية بعد انتصار الحلفاء، أثره الكبير كمقدمة أدت إلى اشتعال الثورة. فقد اعتقلت بريطانيا سعد زغلول وثلاثة من زملائه لتشكيلهم الوفد ونفيهم إلى جزيرة مالطا، الأمر الذي أدى إلى بداية الاحتجاجات في مارس 1919.
  • وانطلقت تظاهرات في العديد من المدن والأقاليم المصرية، وكانت القاهرة والإسكندرية وطنطا من أكثر تلك المدن اضطرابًا، الأمر الذي أجبر السلطات البريطانية على الافراج عن سعد زغلول ورفاقه، والسماح لهم بالسفر لباريس.
  • وصل الوفد المصري إلى باريس في 18 أبريل، وأُعلنت شروط الصلح التي قررها زعماء دول التحالف، مؤيدة للحماية التي فرضتها بريطانيا على مصر.
  • وقد أُوفِدت “لجنة ملنر”، للوقوف على أسباب هذه المظاهرات. ووصلت اللجنة في 7 ديسمبر 1919، وغادرت في 6 مارس 1920. وقد دعا اللورد “ملنر” الوفد المصري في باريس للمجيء إلى لندن للتفاوض مع اللجنة، وأسفرت المفاوضات عن مشروع للمعاهدة بين مصر وبريطانيا ورفض “الوفد” المشروع وتوقفت المفاوضات.
  • استؤنفت المفاوضات مرة أخرى، وقدمت “لجنة ملنر” مشروعاً آخر، فانتهى الأمر بالوفد إلى عرض المشروع على الرأي العام المصري. ثم قابل أعضاء الوفد “اللورد ملنر” وقدموا له تحفظات المصريين على المعاهدة، فرفض ملنر النقاش حول هذه التحفظات، فغادر الوفد لندن في نوفمبر 1920 ووصل إلى باريس، دون أي نتيجة.
  • دعت بريطانيا المصريين إلى الدخول في مفاوضات لإيجاد علاقة مرضية مع مصر غير الحماية، فمضت وزارة “عدلي” بمهمة المفاوضات، التي لم تنجح بعد رفضها لمشروع المُعاهدة، فنشر سعد زغلول نداءً إلى المصريين دعاهم إلى مواصلة التحرك ضد الاحتلال البريطاني فاعتقلته السلطة العسكرية مع زملائه، ونفي بعد ذلك إلى “سيشيل”.
  • حققت الثورة مطالبها في 28 فبراير 1922 بعد أن ألغت بريطانيا الحماية المفروضة على مصر منذ 1914.
  • وفي سنة 1923، صدر الدستور المصري وقانون الانتخابات وألغيت الأحكام العرفية. ورغم ذلك لم تستطع الثورة تحقيق الاستقلال التام، فقد ظلت القوات البريطانية موجودة في الأراضي المصرية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى