
الإسلام وحرية الرأي والتعبير (14)
العصران الأموي والعباسي…
ازدهار فكري أم تضييق سياسي؟
حين ننتقل من عصر النبوة والخلافة الراشدة
إلى العصرين الأموي والعباسي،
ندخل مرحلة أكثر تعقيدًا في تاريخ الدولة الإسلامية؛
مرحلة تداخلت فيها السلطة بالفقه،
والسياسة بالفكر،
والحرية بموازين القوة.
ولذلك، فإن سؤال حرية الرأي في هذه المرحلة، لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا،
بل بفهم التحولات التي طرأت على بنية الدولة والمجتمع.
من البساطة إلى التعقيد:
الدولة الإسلامية، في العصرين الأموي والعباسي،
لم تعد كيانًا محدودًا،
بل إمبراطورية واسعة،
تضم شعوبًا متعددة،
وثقافات متباينة،
ومذاهب فكرية ودينية مختلفة.
هذا الاتساع خلق حيوية فكرية هائلة،
لكنه في الوقت نفسه
أنتج خوفًا سياسيًا من الانقسام،
وهو ما انعكس مباشرة
على مساحة الحرية.
ازدهار العقل… تحت السقف:
لا يمكن إنكار أن العصر العباسي، على وجه الخصوص،
شهد ازدهارًا غير مسبوق في:
• الترجمة،
• والفلسفة،
• والعلوم،
• والجدل الكلامي.
كانت بغداد مركزًا للحوار،
وملتقى للأفكار،
وساحة لصراعات فكرية مفتوحة.
لكن هذا الازدهار
لم يكن مطلقًا،
بل كان يتحرك داخل «سقف سياسي»
تحدده السلطة.
حين يقترب الفكر من الحكم:
المشكلة بدأت
حين لم يعد الخلاف فكريًا خالصًا،
بل أصبح متصلًا بشرعية الحكم.
عندها، تحوّل بعض الجدل الفكري
إلى تهديد سياسي،
وتحوّل بعض الفقهاء
من أصحاب رأي
إلى أطراف في الصراع على السلطة.
محنة الإمام أحمد بن حنبل الشهيرة خير شاهد على ذلك.
فقد طرح السؤال: هل القرآن مخلوق أم أزلي؟
• تبنّى الخليفة المأمون رأي المعتزلة القائل بأن القرآن مخلوق.
• وأراد فرض هذا الرأي رسميًا على العلماء والقضاة.
الإمام أحمد بن حنبل رفض القول بخلق القرآن، وقال إن القرآن كلام الله الأزلي.
فماذا حدث للإمام أحمد؟
1. في عهد المأمون
• أُرسل كتاب إلى وُلاة الأقاليم يأمر بامتحان العلماء.
• استُدعي الإمام أحمد إلى بغداد.
• توفي المأمون قبل تنفيذ الحكم النهائي بحقه.
2. في عهد المعتصم وكان معتزليا أيضا على عهد سلفه المأمون:
• عُقدت مناظرات بينه وبين علماء المعتزلة.
• ضُرب بالسياط ضربًا شديدًا.
• سُجن فترة طويلة.
• أُغمي عليه من شدة الضرب.
ومع ذلك، لم يتراجع عن موقفه.
3. في عهد الواثق..
• استمرت المضايقات.
• مُنع من التدريس والإفتاء علنًا.
• لم يُعدم، لكن بقي تحت الرقابة.
4. في عهد المتوكل، ولم يكن معتزليا
• أوقفت سياسة المحنة رسميًا.
• أعاد الخليفة الاعتبار لأحمد بن حنبل.
• وانتهت محنتة بعد نحو 16 عامًا.
وهنا يجب أن نقول إنَّ مفكري المعتزلة أنفسهم، الذين كانوا يقولون بحرية الفكر والتعبير، وانطلاق العقل وسيادته، هم بعينهم الذين سكتوا على تعذيب ومحاولة إجبار الإمام أحمد بن حنبل على اعتناق رأيهم.
وهنا ضاقت مساحة الحرية،
لا لأن الفكر خطرٌ بذاته،
بل لأن السياسة خافت منه، ولأن الحاكم أراد الناس أن يقتنعوا بما يؤمن به، وهو الأمر الذي كان سائدًا في ذلك العصر في كافة الديانات والبلدان.
محنة المعتزلة:
والدليل على ذلك أنه بانقلاب الأمر، بعد مجيء الخليفة المتوكل، بدأ عصر اضطهاد المعتزلة في جميع أقطار الدولة الإسلامية.
كان البلاط العباسي في سامراء آنذاك مقرَّ الحكم، لكن بغداد بقيت المركز العلمي والفكري الذي ظهرت فيه آثار التحول بوضوح.
1- تم إلغاء المحنة رسميًا حيث :
.
.
. أوقف المتوكل امتحان العلماء في مسألة خلق القرآن.
• أعاد الاعتبار للتيار الحديثي وأهل السنة.
2. عزل القضاة والعلماء المعتزلة
• أُبعد عدد من القضاة الذين كانوا يتبنون الفكر المعتزلي.
• تراجع نفوذهم في القضاء والإدارة.
3. منع الجدل الكلامي الرسمي
• صدرت توجيهات تحدّ من الخوض في قضايا علم الكلام.
• شُجّع الاتجاه النصي التقليدي.
4. صعود أهل الحديث
أبرزهم:
• أحمد بن حنبل
الذي عاد للتدريس وأصبح رمزًا للمرحلة الجديدة.
5. تغير الخطاب الرسمي
• انتقلت الدولة من تبني رؤية عقلانية كلامية إلى دعم الاتجاه السني التقليدي.
• لم يكن هناك “إبادة” جسدية منظمة، لكن كان هناك تجفيف سياسي وفكري لنفوذ المعتزلة.
ولكن لماذا جاء هذا التحول؟
التحول لم يكن مجرد مسألة دينية، بل كان سياسيًا أيضًا:
• المتوكل احتاج إلى كسب تأييد التيار الشعبي المحافظ.
• أراد فك الارتباط بسياسات سلفه.
• كما كان صراعًا على من يملك سلطة تعريف العقيدة: الدولة أم العلماء.
لذا فقد كانت محنة فكر… لا محنة دين.
ازدواجية المرحلة
العصران الأموي والعباسي
قدّما صورتين متناقضتين في آن واحد:
• مساحة واسعة للعلم والبحث،
• وتضييقًا على الآراء
حين تلامس السياسة.
وهذه الازدواجية
هي مفتاح الفهم الحقيقي لهذه المرحلة،
بعيدًا عن التمجيد المطلق
أو الإدانة الشاملة.
ماذا نتعلّم من هذه التجربة؟
نتعلّم أن:
• ازدهار الفكر لا يحميه وحده،
• وأن الحرية تحتاج إلى نظام سياسي يحتمل الاختلاف،
• وأن تديين الصراع السياسي
هو أخطر طرق خنق الرأي.
في الحلقة القادمة،
سننتقل إلى نقطة أكثر حساسية،
ونسأل:
متى تحوّل الفقه إلى أداة سلطة؟
يتبع…
القاهرة: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ المحروسة.







