ذاكرة التاريخمصرمقالات وآراء

همّت الراوي تكتب: موقف الإسلاميين من ثورة 1919 بين سعد زغلول والتحرير

موقف الإسلاميين من ثورة 1919

من سعد زغلول إلى ميدان التحرير.. جدل الدين والوطن في الذاكرة المصرية

لحظة تأسيس في التاريخ المصري

تحتل ثورة 1919 مكانة استثنائية في التاريخ المصري الحديث، إذ لم تكن مجرد حركة احتجاج سياسي ضد الاحتلال البريطاني، بل كانت لحظة تأسيس حقيقية لفكرة الأمة المصرية الحديثة. فقد خرج المصريون في المدن والقرى، في الجامعات والمصانع والحقول، ليعلنوا للمرة الأولى بصوت جماعي أن مصر ليست مجرد ولاية خاضعة لقوة أجنبية، بل وطن له شعب يطالب بحقه في تقرير مصيره.

وقد وصف المؤرخ البريطاني آرثر غولدشميدت تلك اللحظة بقوله إن “ثورة 1919 كانت أول انفجار شعبي شامل في مصر الحديثة، إذ تجاوزت حدود الطبقة السياسية لتصبح ثورة مجتمع كامل” (Goldschmidt, Modern Egypt, 2004).

انطلقت شرارة الثورة في مارس 1919 بعد قرار سلطات الاحتلال البريطاني نفي الزعيم الوطني سعد زغلول وعدد من قيادات الوفد إلى مالطا. لكن ما بدا في البداية أزمة سياسية سرعان ما تحوّل إلى انتفاضة وطنية شاملة اجتاحت البلاد من الإسكندرية إلى أسوان.

شعارات الثورة وبناء الهوية الوطنية

تميزت الثورة بخطاب سياسي جديد يقوم على فكرة الوحدة الوطنية، وهي الفكرة التي عبّر عنها الشعار الأشهر في تلك المرحلة:

“الدين لله والوطن للجميع”.

وقد سجّل المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، أحد أبرز مؤرخي الحركة الوطنية المصرية، أن هذا الشعار لم يكن مجرد صيغة بلاغية، بل كان انعكاسًا لواقع اجتماعي جديد، حيث شارك المسلمون والأقباط معًا في المظاهرات والإضرابات، بل وامتزجت دماؤهم في مواجهة قوات الاحتلال (الرافعي، ثورة 1919).

كما برزت في تلك المرحلة صورة الهلال مع الصليب، التي تحولت إلى رمز بصري للوحدة الوطنية المصرية.

ويشير المؤرخ الإسرائيلي جيمس يانكوفسكي إلى أن ثورة 1919 كانت لحظة تبلور القومية المصرية الحديثة، حيث تحولت فكرة “الأمة” من مفهوم ثقافي محدود إلى مشروع سياسي جماهيري (Gershoni & Jankowski, 1987).

المرأة في قلب الثورة

من أبرز المشاهد التي خلدها تاريخ الثورة مشاركة النساء في العمل الوطني، حيث خرجت أول مظاهرة نسائية كبرى في 16 مارس 1919 بقيادة صفية زغلول وهدى شعراوي.

وقد كتبت هدى شعراوي في مذكراتها عن تلك اللحظة قائلة:

“خرجنا إلى الشوارع لأول مرة لا بوصفنا نساءً من الطبقة الأرستقراطية، بل بوصفنا مصريات يحملن قضية وطن.”

كانت هذه اللحظة نقطة تحول في تاريخ الحركة النسوية المصرية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت لاحقًا محورًا لانتقادات حادة من بعض تيارات الإسلام السياسي التي رأت في هذا التطور بداية لمرحلة من التغير الاجتماعي المرتبط بتأثيرات الثقافة الغربية.

الإسلاميون وإعادة قراءة الثورة

لم يكن موقف الإسلاميين من ثورة 1919 واحدًا، لكنه تشكل عبر ثلاثة اتجاهات رئيسية: الإخوان المسلمون، والتيار السلفي، والتيار الجهادي.

الإخوان المسلمون: نقد مرحلة ما بعد الثورة

تأسست جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، أي بعد أقل من عقد من الثورة، في سياق اجتماعي وسياسي شهد تحولات كبيرة.

وقد رأت بعض أدبيات الجماعة أن المجتمع المصري بعد الثورة شهد موجة من التغريب الثقافي والانحلال الأخلاقي، وربطت هذه التحولات بالمناخ السياسي والاجتماعي الذي أعقب صعود النخبة الليبرالية (Mitchell, The Society of the Muslim Brothers, 1993).

كما ركزت بعض كتابات الإخوان على دور الصحافة الليبرالية والحركة النسوية في إعادة تشكيل المجال الاجتماعي المصري خلال تلك المرحلة.

التيار السلفي: الثورة بوصفها بداية التحول الاجتماعي

تبنّى عدد من رموز التيار السلفي قراءة أكثر تشددًا لهذه المرحلة، خاصة فيما يتعلق بقضية المرأة.

ففي كتابه “عودة الحجاب” اعتبر محمد إسماعيل المقدم أن التحولات الاجتماعية التي شهدتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين كانت جزءًا من مسار طويل من التأثر الثقافي بالغرب، وأن ثورة 1919 ساعدت في تسريع هذا المسار.

التيار الجهادي: رفض فكرة الدولة الوطنية

أما التيار الجهادي فقد قدّم قراءة أكثر حدة، إذ اعتبر الثورة جزءًا من عملية تاريخية أدت – من وجهة نظره – إلى ترسيخ نموذج الدولة القومية العلمانية.

وقد ظهرت هذه القراءة في بعض أدبيات تنظيمات الجهاد المصرية في الثمانينيات، التي رأت أن النخب السياسية التي قادت الحركة الوطنية كانت متأثرة بالنماذج الفكرية والسياسية الغربية.

الأزهر والكنيسة في قلب الحركة الوطنية

غير أن هذه القراءة التي تقدم الثورة باعتبارها مشروعًا علمانيًا خالصًا تتعارض مع كثير من الشواهد التاريخية.

فقد شارك علماء الأزهر وطلابه في المظاهرات، كما انطلقت العديد من الاحتجاجات من ساحات المساجد.

وفي الوقت نفسه لعبت الكنيسة القبطية دورًا مهمًا في دعم الحركة الوطنية، إذ شارك عدد كبير من القيادات القبطية في الاحتجاجات.

وقد وصف المؤرخ عبد العظيم رمضان تلك اللحظة بقوله:

“لم تعرف مصر في تاريخها الحديث لحظة امتزج فيها الدين والوطنية كما امتزجا في ثورة 1919.”

من ثورة 1919 إلى ميدان التحرير

بعد نحو تسعين عامًا، عاد اسم ميدان التحرير ليحتل موقعًا مركزيًا في تاريخ مصر، عندما أصبح في يناير 2011 مركز الاحتجاجات التي أطاحت بنظام حسني مبارك.

ومن اللافت أن هذا الميدان نفسه كان مسرحًا لأحداث سياسية كبرى منذ أوائل القرن العشرين، حين كان يُعرف باسم ميدان الإسماعيلية قبل أن يُعاد تسميته بعد ثورة 1952.

في يناير 2011، كما في مارس 1919، خرج المصريون إلى الشوارع حاملين شعارات الحرية والعدالة.

وقد رأى بعض الباحثين أن ثورة يناير أعادت إحياء الذاكرة الوطنية لثورة 1919، حيث تكررت مشاهد الوحدة الوطنية وامتلأت الميادين بالمواطنين من مختلف الاتجاهات السياسية والاجتماعية.

لكن في الوقت نفسه ظهرت في ميدان التحرير أيضًا تيارات إسلامية رأت في تلك اللحظة فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة.

وهكذا عاد الجدل القديم حول الدولة الوطنية والمرجعية الدينية ليظهر مرة أخرى في قلب المشهد السياسي المصري.

الثورة في ميزان التاريخ

بعد أكثر من قرن على اندلاعها، لا تزال ثورة 1919 واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في تشكيل الهوية السياسية المصرية.

فبينما يراها كثير من المؤرخين لحظة ميلاد الدولة الوطنية الحديثة، تنظر إليها بعض تيارات الإسلام السياسي باعتبارها بداية مرحلة من التحولات الفكرية والاجتماعية التي غيّرت موقع الدين في المجال العام.

لكن قراءة السياق التاريخي للثورة تكشف أنها كانت، في جوهرها، تعبيرًا عن وحدة المجتمع المصري في مواجهة الاحتلال، وعن تلاقي الدين والوطنية في لحظة تاريخية نادرة.

وإذا كان ميدان التحرير قد شهد بعد ذلك بعقود ثورة أخرى في يناير 2011، فإن الذاكرة المصرية ما زالت تحتفظ بمارس 1919 بوصفه اللحظة التي خرجت فيها مصر لأول مرة إلى الشارع لتعلن أنها أمة.


مراجع أساسية

عبد الرحمن الرافعي، ثورة 1919: تاريخ مصر القومي

عبد العظيم رمضان، تطور الحركة الوطنية في مصر

Arthur Goldschmidt, Modern Egypt: The Formation of a Nation-State

Richard Mitchell, The Society of the Muslim Brothers

Gershoni & Jankowski, Egypt, Islam and the Arabs

Afaf Lutfi al-Sayyid Marsot, A History of Egypt

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى