
“إن كان لقصّة صعود المقاومة الوطنيّة للاستعمار أن تحكى باتّساق، فيجب ألا نغفل إستراتيجيّاُ دور عوام الناس”
يرى الكاتب الكبير عباس العقاد -وكان معاصرًا لثورة ١٩١٩ في سن الثلاثين- في كتابه «سعد زغلول» أنَّ تلك الانتفاضة الثورية العارمة في الريف المصري ضد الاحتلال ومظاهر السلطة، كانت بالأساس عفوية، وأنه لم يكن هناك آنذاك تنظيم حقيقي على الأرض للوفد أو لغيره يدير تلك الأفعال بتنسيقٍ ميداني.

ويؤكد العقاد أيضًا أن رد الفعل بالغ العنف والوحشية من السلطات البريطانية وعملائها المحليين، قد أحدث رد فعلٍ عكسي لدى الجماهير التي فاضت عندها أرصدة الغضب والرغبة في الانتقام، فأسهم في تمدد الأفعال الثورية بطول البلاد وعرضها. ويتفق المؤرخ عبد العظيم رمضان في الفصل الرابع من كتاب «القارعة» مع هذا الطرح، فيرى أن العنف غير المبرر الذي جابه به الاحتلال المظاهرات السلمية المعترضة على نفي سعد ورفاقه، هو الذي حوّل الاحتجاج إلى انتفاضة ثوريَّةٍ عارمة.
لكن في المقابل، هناك تحليلاتٌ تاريخية تشير إلى دور تنظيمي كبير لما كان يُعرف بالتنظيم السري للوفد، الذي كان نواته الخلايا التي جمعت التوكيلات للوفد قبل الثورة. وقد وصف المستشار طارق البشري في كتابه «ثورة 1919م في تاريخ مصر المعاصر» تلك الخلايا بأنها كانت نواة تشكيل تنظيمي ومؤسسي. وبالتالي فهي من الناحية النظرية قادرة على إدارة عمل ثوري واسع ممنهج. ويرى دكتور عبد العظيم رمضان أن هناك عديدًا من اللجان الثورية قد تشكلت في عموم مصر لتنظيم الأعمال الثورية والحفاظ على زخمها، لكنه يرى أن غالبية تلك اللجان كانت بجهودٍ محلية تلقائية بمعزل عن جهود الوفد التنظيمية.شكل الفلاحون في ثورة 1919 بمصر عمودها الفقري، محولين إياها من مجرد حركة “أفندية” في المدن إلى انتفاضة شعبية شاملة. قاد الفلاحون في الأقاليم ثورة اجتماعية واقتصادية عنيفة ضد الاستعمار البريطاني، بقطع السكك الحديدية، مهاجمة مكاتب الدولة، وتأسيس لجان إدارة محلية، دافعها الغضب من السخرة وتدهور الأحوال.
جاء الدور الريفي كالتالي:
- الانتفاضة الريفية: تحول الريف المصري إلى ساحة معركة حقيقية، حيث استخدم الفلاحون العنف ضد الإنجليز، وتجرأوا على مهاجمة مراكز الشرطة ومكاتب البريد، مما أدهش السلطات البريطانية.
- قطع خطوط المواصلات: قام الفلاحون بقطع خطوط السكك الحديدية وتدمير خطوط التلغراف في مختلف أنحاء الدلتا والصعيد، مما عزل القوات البريطانية وشل حركتها.
- إدارة اللجان المحلية: أنشأ الفلاحون لجانًا محلية لإدارة حياتهم اليومية بعيدًا عن سيطرة الدولة، مما أسس لشكل من أشكال الحكم الذاتي.
- ثورة مزدوجة: يرى المؤرخون أن ما حدث كان “ثورتين”؛ واحدة للأفندية في المدن تطالب بالاستقلال والدستور، وثورة اجتماعية أعمق للفلاحين ضد ظلم الاستعمار والفقر.
- أسباب الغضب: جاءت انتفاضة الفلاحين كرد فعل مباشر على ممارسات الاحتلال خلال الحرب العالمية الأولى، مثل التجنيد الإلزامي (السخرة) في “الفيلق المصري” لخدمة الجيش البريطاني، والاستيلاء على المحاصيل.
- تضحيات كبيرة: قدم الريف المصري مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمعتقلين في تضحيات جسيمة لمواجهة السيطرة البريطانية.
أثبت الفلاحون في ثورة 1919 أنهم طرف رئيسي ووازن في المعادلة السياسية المصرية، محولين الثورة من حراك نخبوي إلى حركة وطنية شاملة.







