مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: لماذا لا تملك مصر يومًا وطنيًا؟



ذاكرة الأمم لا تُصنع من التواريخ وحدها، بل من اللحظات التي يتحول فيها الشعب إلى فكرة، وتتحول الفكرة إلى وطن. تلك اللحظات التي يكتشف فيها المجتمع نفسه، ويعلن فيها التاريخ بداية فصل جديد. لذلك تحرص الأمم على اختيار يوم تختصر فيه حكايتها الطويلة.

اليوم الوطني ليس مناسبة بروتوكولية، بل عنوانًا رمزيًا للحظة تأسيس. إنه التاريخ الذي تقول فيه الأمة لأبنائها: هنا بدأنا نعرف أنفسنا، وهنا بدأ الوطن يصبح فكرة مشتركة بين الناس.
فرنسا جعلت الرابع عشر من يوليو يومها الوطني تخليدًا لاقتحام سجن الباستيل عام 1789، لحظة انفجار الثورة الفرنسية التي غيّرت تاريخ أوروبا وأعادت تعريف معنى الحرية والمواطنة. لم يكن الباستيل مجرد سجن، بل رمزًا لانهيار النظام القديم وبداية الجمهورية الحديثة.
الولايات المتحدة اختارت الرابع من يوليو يومًا وطنيًا لأنه يوم إعلان الاستقلال عام 1776، عندما قررت ثلاث عشرة مستعمرة أن تتحول إلى دولة مستقلة. ذلك الإعلان لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل بداية فكرة جديدة في تاريخ العالم عن سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.
الجزائر تحتفل بالأول من نوفمبر، اليوم الذي اندلعت فيه ثورتها ضد الاستعمار الفرنسي عام 1954. ذلك اليوم لم يكن انتصارًا عسكريًا، بل بداية حرب تحرير طويلة استمرت سبع سنوات وانتهت باستقلال الدولة الجزائرية.
الهند جعلت الخامس عشر من أغسطس يومها الوطني، لأنه اليوم الذي أنهت فيه قرونًا من السيطرة البريطانية عام 1947. ذلك اليوم لم يكن مجرد استقلال سياسي، بل ميلاد دولة جديدة قادها غاندي وجواهر لالنهرو على أساس فكرة التحرر الوطني.
تركيا الحديثة تحتفل بالتاسع والعشرين من أكتوبر، يوم إعلان الجمهورية عام 1923 بقيادة مصطفى كمال أتاتورك. لم يكن ذلك التاريخ مجرد إعلان دستوري، بل لحظة انتقال تاريخية من دولة إمبراطورية إلى دولة وطنية حديثة.
الصين اختارت الأول من أكتوبر يومًا وطنيًا لأنه يوم إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949. ذلك اليوم مثّل نهاية عقود من الحرب الأهلية وبداية نظام سياسي جديد غيّر موازين آسيا والعالم.
جنوب إفريقيا جعلت السابع والعشرين من أبريل يومًا وطنيًا لأنه يوم أول انتخابات ديمقراطية شاملة عام 1994 بعد سقوط نظام الفصل العنصري. ذلك اليوم لم يكن مجرد اقتراع، بل لحظة انتقال أخلاقي وسياسي أعادت تعريف معنى الدولة والمواطنة.
تلك النماذج المختلفة تكشف حقيقة واحدة: الأمم تختار لحظتها المؤسسة بعناية. بعضها يختار لحظة الثورة، وبعضها لحظة الاستقلال، وبعضها لحظة بناء الدولة الجديدة.
مصر، برغم تاريخها الطويل، ما تزال بلا يوم وطني جامع يتفق عليه المصريون. ليس لأن تاريخها فقير بالأحداث الكبرى، بل لأن محطاتها المؤسسة كثيرة ومتنوعة.
السادس من أكتوبر يرمز إلى استعادة الكرامة العسكرية في حرب أعادت التوازن إلى المنطقة بعد سنوات من الهزيمة. الخامس والعشرون من يناير عبّر عن توق المصريين للحرية والعدالة الاجتماعية في عصر جديد. كلاهما لحظة مهمة في التاريخ الوطني.
غير أن السؤال الأعمق يظل قائمًا: متى وُلدت الوطنية المصرية الحديثة؟ متى خرجت فكرة الأمة من نطاق النخبة إلى فضاء المجتمع؟
الإجابة تقودنا إلى التاسع من مارس عام 1919، اليوم الذي تحولت فيه مصر كلها إلى مظاهرة وطنية بعد قرار سلطات الاحتلال البريطاني نفي #سعدزغلول ورفاقه من قادة الوفد إلى مالطا.

قرار النفي الذي ظنه الاحتلال خطوة إدارية تحوّل إلى شرارة تاريخية. صباح ذلك اليوم خرج طلاب الجامعات والأزهر إلى شوارع القاهرة، وما هي إلا ساعات حتى تحولت المدينة إلى موجة احتجاج واسعة.

سرعان ما امتدت الثورة إلى طنطا والمنصورة والزقازيق وأسيوط والإسكندرية وسائر مدن وقرى مصر. خرج الفلاحون من الحقول، والعمال من المصانع، والطلاب من المدارس.

مشهد جديد ظهر في شوارع مصر. المسلم يقف إلى جوار المسيحي، والمرأة تخرج إلى الشارع لأول مرة بهذا الاتساع، والمدينة تتصل بالريف في حركة واحدة. لم تكن ثورة حزب ولا حركة نخبة، بل لحظة أعلن فيها المجتمع المصري أنه صاحب هذا الوطن.

تلك اللحظة لم تأتِ من فراغ. جذورها تعود إلى حركة أحمد عرابي التي رفعت شعار “مصر للمصريين”، ثم إلى مدرسة الإصلاح التي ارتبطت بأفكار محمد عبده.

لاحقًا جاء نضال مصطفى ىكامل ومحمد فريد ليضع الاستقلال في قلب الحياة السياسية، بينما صاغ مفكرو النهضة مثل أحمد لطفي السيد وقاسم أمين وعبدالله النديم ملامح الهوية الوطنية الحديثة.
تلك الأفكار ظلت لسنوات في الصحف والكتب والصالونات الفكرية. حتى جاء التاسع من مارس، فخرجت الفكرة من الكتب إلى الشوارع.
يحمل هذا اليوم معنى آخر في الوجدان المصري. ففي التاسع من مارس عام 1969 استشهد الفريق عبدالمنعم رياض على جبهة القتال خلال حرب الاستنزاف، فأصبح التاريخ نفسه يومًا للشهيد.
كأن التاريخ أراد لهذا اليوم أن يجمع بين ميلاد الفكرة وتجسدها في التضحية. بين ثورة الشعب عام 1919 ودماء الشهداء بعد نصف قرن.
اختيار يوم وطني ليس مجرد احتفال، بل رسالة للأجيال تقول: هنا اكتشف المجتمع نفسه، وهنا بدأت الحكاية.
لهذا أعود فأكرر ما دعوت إليه منذ العام الماضي: ربما آن الأوان لأن يعيد المصريون التفكير في التاسع من مارس بوصفه مرشحًا جادًا ليكون يوم مصر الوطني.
ذلك اليوم لم يكن مجرد تاريخ في كتاب، بل لحظة اكتشف فيها المصريون أنفسهم بوصفهم أمة. ومن يكتشف نفسه مرة… لا يعود كما كان أبدًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى