تحديات كبيرة تضرب الاقتصاد.. والبنك المركزي يتحرك للسيطرة

يواجه الاقتصاد المصري تحديات متزايدة جراء اندلاع الصراعات في منطقة الشرق الأوسط والتي انعكست بشكل مباشر على استقرار الجنيه المصري مقابل الدولار، حيث سجلت العملة المحلية تراجعا ملحوظا ليرتفع سعر الصرف من مستوى 46.6 جنيه في منتصف فبراير الماضي ليصل إلى نحو 52.2 جنيه خلال شهر مارس الجاري، وتشير هذه الأرقام إلى زيادة في سعر الدولار بلغت نسبتها 12% في أقل من ثلاثين يوما مما يضع ضغوطا إضافية على هيكل الأسعار المحلية، وتتزامن هذه التحولات مع ارتفاع أسعار البترول العالمية لمستويات تجاوزت مئة دولار للبرميل نتيجة الاضطرابات الملاحية في مضيق هرمز ومسارات الطاقة العالمية، الأمر الذي يرفع تكلفة الواردات المصرية ويزيد من حدة الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف شحن البضائع والطاقة.
تداعيات تخارج الاستثمارات الأجنبية من السندات الحكومية
تشير البيانات المتاحة إلى خروج استثمارات أجنبية من أذون الخزانة تقدر قيمتها بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار خلال الفترة الأخيرة، ولم تشهد هذه الموجة تدخلا مباشرا من البنك المركزي المصري لدعم سعر الصرف كما جرى في عامي 2020 و2022، حيث تتبنى الإدارة النقدية الحالية استراتيجية المرونة السعرية لإدارة عملية خروج تلك الأموال وتفادي استنزاف الاحتياطي الأجنبي، وتأتي هذه الخطوات في ظل وجود فجوة بين سعر الفائدة على أذون الخزانة الذي سجل 24% في مارس الحالي وبين معدلات الإيداع والإقراض الرسمية، مما يعكس طبيعة التحديات التي تواجه السياسة النقدية في الموازنة بين جذب التدفقات المالية وبين السيطرة على معدلات التضخم المستورد الناتجة عن تذبذب العملة.
تركزت السياسة المالية خلال الفترة الماضية على الحفاظ على جاذبية الأصول المصرية عبر إبقاء معدلات الفائدة عند مستويات مرتفعة بلغت 27.75% في المتوسط بين مارس 2024 وأبريل 2025، وشهدت هذه المرحلة تدفقات كبيرة من الأموال الساخنة عقب إبرام صفقة رأس الحكمة التي رفعت حيازة الأجانب من أذون الخزانة من 10 مليارات دولار في نهاية 2023 إلى 35 مليار دولار في أبريل 2024، وواصلت هذه الحيازات نموها لتصل إلى 42 مليار دولار بنهاية عام 2025، وهو ما يمثل نحو خمس الدين المحلي الإجمالي، مما يبرز حجم الاعتماد على هذه التدفقات قصيرة الأجل في تمويل الاحتياجات النقدية للدولة وتأثيرها المباشر على حركة السوق الصرفي.
مقارنة بين الأزمات النقدية والقدرة على التدخل
تظهر الأرقام الرسمية أن حجم الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي المصري بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، مما يعزز من قدرة البنك على احتواء حركة سعر الصرف مقارنة بأزمة عام 2022 التي شهدت تخارج نحو 20 مليار دولار، ويسمح الوضع الحالي بهامش تحرك أوسع للدفاع عن الجنيه المصري لاسيما وأن حجم التخارج الحالي لا يتجاوز 12% من إجمالي استثمارات الأجانب في أدوات الدين، وتؤكد المؤشرات الاقتصادية أن ترك العملة للانخفاض دون تدخل قد يؤدي إلى موجات تضخمية واسعة تؤثر على القوة الشرائية، خاصة وأن مستثمري هذه الأموال حققوا عوائد صافية رغم تحريك سعر الصرف بسبب الارتفاع الكبير في فوائد الأذون.
يستهدف البنك المركزي المصري حاليا إدارة مخاطر التضخم التي تعد الأولوية القصوى للسياسة النقدية المعلنة، حيث يتطلب الوضع الراهن المفاضلة بين الحفاظ على مستويات الاحتياطي النقدي وبين التدخل لضبط إيقاع سوق الصرف، ويشكل التضخم الناتج عن انخفاض العملة تحديا هيكليا يتجاوز فكرة إدارة خروج الاستثمارات، إذ يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة الإنتاج والخدمات بشكل عام، وتظل عملية استخدام الاحتياطي كأداة لتحقيق الاستقرار الكلي ومنع المضاربات في سوق العملة هي المسار المتاح للتعامل مع الصدمات الخارجية ومنع تدهور القيمة الشرائية للعملة المحلية في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.







