
في زمنٍ يتداخل فيه دخان المعارك مع أنين الأخبار العاجلة، تقف الكويت ومعها الخليج على عتبة مرحلة دقيقة، تُكتب فيها سطور جديدة من تاريخ الفداء، وتتردّد فيها آية واحدة كمنارة للهداية والتسليم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. ليست هذه الآية حكاية من الماضي تُروى عن بدر، بل روحٌ حيّة تمشي مع كل جندي من جنودنا، وتظلل كل أسرة تودّع ابنًا مرابطًا أو شهيدًا، فتربط قلوبها بحكمة السماء قبل اضطراب الأرض.
يوم بدر، كان الفعل البشري متواضعًا، والعتاد قليلًا، لكن الله علّم المؤمنين أن النصر لا يُقاس بعدد ولا عُدّة، بل بصدق التوجّه إليه. ألقى النبي صلى الله عليه وسلم قبضةً من تراب، فإذا بها تتحوّل بإذن الله إلى بداية انهيار جموع الكفر، حتى قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾؛ كأنما يخاطب كل مؤمن في كل زمان: افعل، تحرّك، قاوم، ثم سلّم النتائج لمن بيده مقاليد كل شيء. اليوم، يقف الجندي الكويتي والخليجي على السواحل والحدود والرادارات، يراقب صواريخ ومسيرات وتهديدات، ويشعر بثقل المسؤولية على كتفه؛ تأتي الآية لتقول له: أنت السبب، لكن الله هو المدبّر، أنت ترمي، لكن الذي يختار مسار الرصاصة، ويحفظ الوطن، ويصطفي الشهيد، هو ربّ العالمين.
استشهاد جنودنا البواسل ليس رقمًا في بيان رسمي، بل حرفٌ من حروف القدر يُكتب بمداد الدم، ويُتلى بمعاني «البلاء الحسن» الذي يرفع الدرجات ويوقظ القلوب. حين يسقط شهيد على ثغر من ثغور الكويت أو الخليج، يهمس القدر للأحياء: قد أدّيتم ما عليكم من واجب الدفاع، أما اختيار اللحظة والروح والمصير، فبيد من لا تضيع عنده الدماء. في الداخل، يعيش الناس بين قلق مشروع وطمأنينة مأمولة؛ واجب الدولة أن تحكم إغلاق المنافذ وتُحسن إعداد العدة، وواجب المجتمع أن يكون حاضنة للثبات لا صدى للذعر، يجمع بين حبّ الوطن وصدق التوكل، فيرى الجندي عبدًا مكرّمًا، لا صنمًا ولا رقمًا عابرًا.
هذا الزمن المزدحم بالأزمات يغرينا بالحديث عن الصواريخ والتحالفات والحسابات الباردة، لكن الآية تعيدنا إلى السؤال الجوهري: من يدير هذا الكون؟ من يصرّف الخوف والأمان، والحياة والموت، والنصر والانكسار؟ لسنا مدعوين إلى ترك الأسباب، بل إلى تنزيه قلوبنا عن عبادة الأسباب. نفعل ما نستطيع كما لو أن النصر كله معلّق بأيدينا، ثم نتوكل كما لو أن أسبابنا لا وزن لها بلا عون الله. بين هذين المعنيين تتلخّص رسالة الأنفال: «نحن نرمي… ولكن الله رمى»، نحن نكتب تاريخ هذه المرحلة بعرق الجنود ودموع الأمهات ودعاء الشعوب، لكن التوقيع الأخير على صفحة القدر يظل بيد الواحد القهار.





