شعار مسافة السكة تحت الاختبار بعد تصاعد تهديدات الخليج وصمت القاهرة

تصدر شعار مسافة السكة واجهة المشهد السياسي من جديد بالتزامن مع تصاعد التهديدات العسكرية المباشرة التي تواجهها العواصم الخليجية خلال الآونة الأخيرة، حيث أثار هذا المفهوم حالة من الجدل الواسع عقب رصد صمت رسمي من جانب النظام المصري تجاه الالتزامات السابقة بالدعم الفوري والكامل لدول الخليج، وقد انعكس هذا التراجع في المواقف الفعلية التي وصفت بالبرود السياسي رغم الوعود المتكررة بالوقوف بجانب الأشقاء في أي لحظة دون تردد، مما جعل شعار مسافة السكة يواجه اختبارا حقيقيا أمام الرأي العام العربي والدولي في ظل الأزمات الأمنية المتلاحقة، وتناول عدد من المتابعين والباحثين هذا التناقض بين الخطاب الإعلامي الرسمي وبين التحركات الميدانية التي لم تتجاوز حدود البيانات التقليدية، وهو ما فتح الباب أمام قراءات تحليلية تربط بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الأمنية التي طالما روج لها الخطاب الرسمي في القاهرة بكونها حجر زاوية في الأمن القومي العربي المشترك.
تحدثت تقارير عن استغلال شخصيات مثل إيدي كوهين لهذه الحالة للتهكم على الشعارات التي لم تصمد أمام الاختبارات الميدانية الأولى، بينما رصدت أوراق بحثية حالة من الاستياء المكتوم نتيجة ما اعتبر تراجعا عن تعهدات استراتيجية مقابل دعم اقتصادي وسياسي ضخم تلقته الدولة المصرية، وتشير الأرقام الموثقة إلى أن حجم الاستثمارات والمساعدات الخليجية التي تدفقت إلى خزينة الدولة المصرية تجاوزت حاجز 100 مليار دولار خلال السنوات الماضية، ومع ذلك فإن تفعيل شعار مسافة السكة ظل غائبا عن أرض الواقع مع تزايد وتيرة الهجمات الإقليمية التي تستهدف منشآت حيوية في عمق الأراضي الخليجية، ويرى مراقبون أن الاعتماد على التحالفات الدولية والضمانات الأمريكية أصبح هو البديل الواقعي للدول التي شعرت بخذلان من المنظومة العربية الرسمية، خاصة بعد أن ثبت أن الوعود الدفاعية لم تترجم إلى خطط انتشار عسكرية حقيقية تحمي المراكز الحيوية في دول مثل الكويت والإمارات والبحرين رغم الأزمات.
تتزايد التكهنات حول مستقبل المنظومة الأمنية العربية في ظل إعلان عبد الفتاح السيسي أن قوة الجيش المصري مخصصة حصريا للدفاع عن حدود مصر القومية، وهو ما يتناقض جوهريا مع العقيدة التي طرحها سابقا عبر شعار مسافة السكة الذي كان يوحي بجاهزية التدخل السريع لحماية العمق الخليجي، وبدأت نخب سياسية في طرح فكرة الاستقلال الكامل عن مظلة الجامعة العربية والتوجه نحو بناء تحالفات مستقلة تخدم المصالح الوطنية المباشرة بعيدا عن الرموز والشعارات المستهلكة، لا سيما وأن تجارب سابقة مثل غزو الكويت أثبتت أن الحماية الحقيقية تأتي من القوى الكبرى وليس من الوعود الإقليمية التي تذوب عند أول صدام عسكري، وفي سياق متصل تبرز آراء تشير إلى أن القاهرة تضغط حاليا لتبني مواقف دفاعية سلبية وعدم الرد على الاستفزازات الإقليمية لتجنب الانزلاق في حرب مفتوحة، مما يعزز القناعة بأن شعار مسافة السكة بات يستخدم فقط في المناسبات البروتوكولية دون وجود إرادة سياسية حقيقية لتنفيذه على أرض الواقع.
تؤكد الدوائر المقربة من مراكز اتخاذ القرار أن التحركات المصرية الحالية تهدف إلى الحفاظ على توازنات دقيقة في المنطقة، حيث يرى اللواء سمير فرج أن سقوط قوى إقليمية كبرى قد يؤدي إلى فوضى شاملة لا تخدم المصالح المصرية، وهذا التبرير يضعه البعض في إطار الهروب من التزامات مسافة السكة التي كانت تفترض ردا حاسما على أي تهديد يمس أمن الخليج، وبالرغم من امتلاك مصر لرابع أقوى شبكة دفاع جوي في العالم وجاهزية قتالية عالية، إلا أن الموقف الرسمي يميل للجمود والبرود تجاه الأزمات المشتعلة في الجوار العربي، وهو ما أدى إلى تصاعد نبرة السخرية من تحول الوعود الاستراتيجية إلى مادة للاستهلاك الإعلامي فقط، وفي ظل هذا المشهد المعقد يبقى التساؤل قائما حول جدوى الرهان على شعارات قومية لا تجد صدى في الموازين العسكرية الفعلية، مما يدفع المنطقة نحو إعادة تقييم شاملة للعلاقات البينية بناء على المواقف المسجلة وليس الوعود الشفهية.







