الارتدادات الجيو – اقتصادية للحرب الأمريكية – “الإسرائيلية” على إيران على دول شرق أفريقيا

أثار اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، خلال ضربات أمريكية “إسرائيلية” مشتركة استهدفت منشآت استراتيجية إيرانية في أواخر فبراير 2026، موجة من التفاعلات السياسية والدبلوماسية امتدت إلى ما هو أبعد من منطقة الشرق الأوسط. فقد عبرت عدة حكومات ومؤسسات دينية في أفريقيا عن تعازيها وتضامنها مع إيران بما يعكس البعد الرمزي والجيوسياسي الواسع لهذا الحدث.
ففي غرب أفريقيا، وقع رئيس وزراء مالي عبد الله مايغا سجل التعازي الرسمي في البعثة الدبلوماسية الإيرانية في مالي، بينما شهدت تنزانيا في شرق أفريقيا مراسم تأبين حضرها مسؤولون حكوميون ودبلوماسيون، من بينهم ممثلون روس. كما أبدت مؤسسات دينية مواقف مشابهة؛ إذ قام المجلس الأعلى للمسلمين في أوغندا بزيارة إلى السفارة الإيرانية في كمبالا للتعبير عن التضامن مع الشعب الإيراني. وتعكس هذه التحركات حساسية الصراع بالنسبة لعدد من الدول الأفريقية التي تجمعها علاقات دبلوماسية مع إيران بالتوازي مع شراكات استراتيجية مع الدول الغربية ودول الخليج.
وعلى المستوى الإقليمي، تزامنت هذه التطورات مع انتقال القيادة الدورية داخل مجموعة شرق أفريقيا الإقليمية (East African Community)، حيث تولى الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني رئاسة المنظمة خلفاً للرئيس الكيني ويليام روتو، خلال القمة الخامسة والعشرين التي عقدت في مدينة أروشا التنزانية بتاريخ اليوم (السابع من هذا الشهر مارس). وقد شدد موسيفيني في خطابه على أهمية تعزيز التكامل الاقتصادي والتحول الصناعي في شرق أفريقيا، وهو توجه يكتسب أهمية متزايدة في ظل الاضطرابات المتسارعة التي تشهدها منظومة التجارة العالمية.
اضطراب الملاحة البحرية وإعادة تشكيل طرق الشحن
انعكست تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بسرعة على قطاع النقل البحري العالمي، ولا سيما في الممرات الاستراتيجية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. فخلال العشرة أيام الأولى من تصاعد الأزمة، أعلنت شركات الشحن الدولية الكبرى، مثل شركة الشحن الألمانية (Hapag-Lloyd)، ومجموعة الشحن الفرنسية (CMA CGM)، وشركة ميرسك الدنماركية (Maersk)، عن تعليق عبور سفنها عبر البحر الأحمر وقناة السويس، نتيجة تصاعد المخاطر الأمنية وارتفاع أقساط التأمين المرتبطة بمخاطر الحرب.
وتشير بيانات تتبع الملاحة البحرية الصادرة عن منصات مثل (Marine Traffic) و (Lloyd’s List Intelligence) إلى أن حركة السفن التجارية قبالة سواحل جنوب أفريقيا ارتفعت بنحو 35% لتصل إلى ما يقارب 94 سفينة يومياً مقارنة بمتوسط سابق بلغ نحو 69 سفينة. وقد أدى تحويل مسارات السفن نحو طريق رأس الرجاء الصالح إلى:
- إضافة ما بين 3000 و4000 ميل بحري إلى الرحلات المعتادة.
- تمديد زمن الشحن بنحو 10 إلى 14 يوماً.
- زيادة استهلاك الوقود بما يقارب 30% لكل رحلة.
- ارتفاع تكاليف الشحن في بعض خطوط الحاويات بنسبة تتراوح بين 15% و25%.
وفي الوقت نفسه، شهدت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز تراجعاً حاداً؛ ففي 3 مارس الماضي لم تعبر المضيق سوى أربع ناقلات نفط فقط مقارنة بمتوسط يومي يبلغ 138 ناقلة، وهو انخفاض يقارب 90%. ويحذر الخبير روبن ميلز من أن استمرار هذا الاضطراب قد يؤدي إلى تعطيل خمس إمدادات النفط المنقولة بحراً في العالم.
انكشاف اقتصادات شرق أفريقيا
تُعد اقتصادات شرق أفريقيا من أكثر الأقاليم عرضة للتأثر بالاضطرابات في محور البحر الأحمر – قناة السويس. وتوضح بيانات “الأونكتاد” (UNCTAD) حجم هذا الانكشاف من خلال نسبة التجارة الخارجية التي تمر عبر هذا المسار:
- جيبوتي: 31%.
- السودان: 34%.
- كينيا: 15%.
- تنزانيا: 10%.
ويرى الخبير البريطاني بول ستيفنز أن اعتماد هذه الدول على الواردات النفطية المكررة يجعلها في الخط الأمامي لأي صدمة طاقة عالمية. كما يشير الاقتصادي الكيني أليكس أوايتو إلى أن التوترات في الشرق الأوسط تتحول بسرعة إلى ضغط تضخمي داخلي في المنطقة. ومن جانبه، أكد أليكس دي وال أن الأزمة تبرز هشاشة سلاسل الإمداد التي تربط شرق أفريقيا بالأسواق العالمية.
الآثار الاجتماعية والمعيشية
بدأت الزيادات في أسعار النفط العالمية واضطرابات الشحن تنعكس سريعاً على تكاليف المعيشة في دول شرق أفريقيا. فقد ارتفع سعر خام برنت بنسبة تتراوح بين 10% و13% عقب التوترات في مضيق هرمز.
- في تنزانيا: سجلت الأسعار المرجعية لواردات الوقود في أوائل مارس ارتفاعاً بنسبة 6.2% للبنزين، و 9.8% للديزل، و 7.4% للكيروسين.
- في كينيا: أقر مدير هيئة تنظيم الطاقة دانيال كيبتو بأن استمرار التقلبات قد يؤدي لارتفاع الأسعار المحلية رغم وجود اتفاقيات توريد مع السعودية.
ويحذر الخبراء من أن صدمات أسعار الوقود تنتقل للاقتصاد عبر ثلاث قنوات: النقل، إنتاج الكهرباء، والقطاع الزراعي. كما تتزايد المخاوف بشأن الأمن الغذائي نتيجة الاعتماد على واردات القمح والأسمدة التي تمر عبر الممرات المضطربة، مما قد يفضي إلى موجة تضخم غذائي واسعة.
استشراف المآلات الاستراتيجية للأزمة
قد تشكل هذه الحرب نقطة تحول بنيوية في النظام الاقتصادي العالمي. فالموانئ القريبة من البحر الأحمر، مثل ميناء جيبوتي وميناء دوراليه، هي الأكثر عرضة للتأثر المباشر بارتفاع أقساط التأمين وتقليص عدد السفن.
في المقابل، قد تستفيد الموانئ الواقعة جنوباً على المحيط الهندي نتيجة تحول حركة الملاحة نحو رأس الرجاء الصالح، وأبرزها:
- ميناء مومباسا (كينيا): أكبر ميناء في المنطقة والمنفذ الرئيسي لدول البحيرات العظمى.
- ميناء دار السلام (تنزانيا): الذي شهد عمليات تحديث واسعة مؤخراً.
- ميناء بيرا (موزمبيق) ومشروع ميناء باجامويو (تنزانيا) العملاق قيد التطوير.
ختاماً، قد تدفع هذه الصدمة الدول الأفريقية إلى تسريع التكامل الاقتصادي ضمن “منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية” لتقليل الاعتماد على الممرات الدولية. ومن شأن تطوير شبكات النقل والسكك الحديدية العابرة للحدود أن يحول موانئ شرق أفريقيا إلى عقد لوجستية استراتيجية تعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للقارة.
المصدر: مركز مانديلا للدراسات الاستشرافية وبناء القدرات في شرق أفريقيا (MMC-SFCB)




