
حتى قبل عامين، كان الحديث عن انهيار هذا الكيان يُعتبر مبالغة أو هذياناً سياسياً من قبل غالبية المراقبين. غير أن التحولات الأخيرة في البيئة الإقليمية والدولية تجعل هذا السؤال ضرورة تحليلية؛ فالكيان، الذي طُرح طويلاً كـ”قوة لا تُقهَر”، يواجه مرحلة تآكل تاريخية متعددة الأبعاد تشمل الجوانب العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.
أولاً: الاستنزاف العسكري متعدد المستويات
يمثل الاستنزاف العسكري أبرز مؤشرات ضعف الكيان. الصراعات المستمرة في غزة على مدى عامين خلفت آلاف القتلى والجرحى، مؤكدة هشاشة البنية العسكرية المبنية أساساً على الاحتياطيات في مجتمع محدود السكان. استمرار النزاع يعمّق الاستياء داخل المؤسسة العسكرية ويزيد من الميل نحو الهروب من الخدمة والهجرة العكسية، ما يهدد استدامة القدرات القتالية.
على المستوى الميداني، رغم التفوق الجوي، تعذر تنفيذ عمليات برية واسعة، ما يوضح محدودية التأثير التكنولوجي وحده في تحقيق السيطرة الاستراتيجية على الأرض، ويبرز الحاجة إلى تكامل القوى البشرية والتقنية في الحرب الحديثة.
ثانياً: الفجوة بين القيادة السياسية والواقع الميداني
اتسعت الفجوة بين صانعي القرار السياسي والقدرات الفعلية للقوات المسلحة، إذ أدت المطالب المبالغ فيها نتيجة تصورات أيديولوجية ودينية إلى استبدال قادة عسكريين بأخرى أكثر توافقاً مع الخط السياسي، إلا أن هذه التشكيلات الجديدة واجهت التعقيدات الواقعية، خصوصاً في ساحات مثل غزة.
تأثير هذا الانفصال ليس محلياً فحسب، بل ساهم في دفع المنطقة نحو صدام محتمل مع إيران، مما يعكس المخاطر الاستراتيجية الناجمة عن تجاوز الإمكانات الواقعية للكيان والتقديرات غير الدقيقة للقيادة السياسية.
ثالثاً: تراجع الدعم الدولي والاجتماعي
شهد الدعم الغربي للكيان تراجعاً ملموساً. بينما كان يُنظر إليه لعقود كشريك استراتيجي، أصبح اليوم إعلان الدعم يمثل مخاطرة انتخابية لبعض صانعي القرار الغربيين. هذا التراجع، إلى جانب الاستنزاف العسكري والضغوط الاجتماعية الداخلية، يدفع الغرب إلى إعادة تقييم استراتيجيته تجاه الكيان، الذي يتحول تدريجياً من استثمار استراتيجي إلى عبء سياسي متنامٍ.
رابعاً: التحولات الإقليمية وفراغ القوة
تشهد المنطقة تحولات عميقة نتيجة النزاعات المستمرة، حيث تواجه بعض الحكومات ضغوطاً شعبية كبيرة، ما يتيح صعود فاعلين سياسيين جدد يستندون إلى شرعية شعبية ومشاريع استراتيجية راسخة.
كما يُعاد تقييم مشروع إيران الإقليمي القائم على “تحرير القدس”، الذي رغم امتلاك طهران قدرات رادعة، يركز غالباً على الردع والموازنة، وليس على المبادرة الاستراتيجية الشاملة.
ومن الجدير بالملاحظة أن ضعف النفوذ الإيراني لا يعني بالضرورة فائدة للكيان الحالي؛ إذ قد يؤدي فراغ القوة إلى ظهور لاعبين جدد قادرين على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية إذا ما استندوا إلى شرعية سياسية حقيقية وقدرات استراتيجية واضحة.
خاتمة: معادلة معقدة واستحقاقات استراتيجية
تمثل الصورة الراهنة أمام الكيان معادلة معقدة تشمل بيئة إقليمية متصاعدة التوتر، استياء شعبي متزايد، استنزاف عسكري وديموغرافي، تراجع الدعم الدولي، وفجوة بين القيادة السياسية والواقع الميداني.
يؤكد التاريخ أن انهيار الدول لا يحدث بسبب ضعفها الداخلي فقط، بل نتيجة قدرة فاعلين داخليين أو خارجيين على استغلال هذا الضعف.
السؤال المحوري إذن: من سيكون القادر على تقييم هذه اللحظة التاريخية، واتخاذ الخطوة الاستراتيجية التي قد تعيد رسم ملامح مصير المنطقة؟





