
حين صرّح Donald Trump في حديثه مع CBS News بأن الحرب قد “اكتملت”، بدا التصريح للوهلة الأولى وكأنه إعلان نصر عسكري واضح. غير أن القراءة المتأنية للمشهد الجيوسياسي تكشف أن الأمر لم يكن نهاية صراع بقدر ما كان إعادة ضبط لمعادلة الأزمة.
فالولايات المتحدة لا تسعى دائماً إلى إنهاء الصراعات جذرياً، بقدر ما تسعى إلى إدارتها والتحكم في إيقاعها. وفي كثير من الأحيان، تتحول الأزمات في السياسة الدولية إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى، لا إلى معارك حاسمة تنتهي بانتصار مطلق.
هذه المقاربة ليست جديدة في تاريخ العلاقات الدولية. فالقوى الكبرى غالباً ما تفضّل بقاء خصومها ضمن مستوى معين من القوة: قوة تكفي لتبرير التحالفات العسكرية وتعزيز النفوذ، لكنها لا تصل إلى حد تهديد التوازن الاستراتيجي فعلياً. ومن هذا المنظور، يصبح بقاء إيران في موقع “التهديد المحكوم” جزءاً من معادلة أوسع تحكم بنية الأمن في الشرق الأوسط.
اقتصاد الخوف وصناعة التهديد
أحد الأبعاد الأكثر تأثيراً في هذه المعادلة هو البعد الاقتصادي. فالتوتر الدائم في الشرق الأوسط يشكّل محرّكاً رئيسياً لأسواق السلاح العالمية، وعلى رأسها الصناعات العسكرية الأمريكية.
في ظل استمرار المخاوف الأمنية، تتدفق مليارات الدولارات نحو أنظمة الدفاع المتقدمة مثل منظومة Patriot Missile System ومنظومة THAAD.
بهذا المعنى، يتحول “التهديد” إلى عنصر داخل منظومة اقتصادية كاملة. فوجود خصم دائم—حتى لو كان تحت السيطرة—يوفّر مبرراً مستمراً لتوسيع البنية الدفاعية وتعزيز التحالفات العسكرية وشراء الأسلحة.
ومن منظور براغماتي بحت، قد يعني القضاء الكامل على هذا التهديد تفكيك جزء من البنية الاقتصادية والأمنية التي تشكّلت حوله.
الجغرافيا السياسية وصعود الصين
لكن المسألة لا تتعلق بالاقتصاد العسكري وحده. فهذه المعادلة ترتبط أيضاً بالصراع الجيوسياسي الأوسع في النظام الدولي، خصوصاً مع صعود China كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.
فالشرق الأوسط يشكّل أحد أهم المفاصل في التوازنات الدولية، سواء بسبب موقعه في شبكة الطاقة العالمية أو بسبب موقعه الجغرافي في طرق التجارة الدولية. وفي حال استقر الإقليم استقراراً كاملاً، قد تتجه بعض دوله إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية، وربما تعميق علاقاتها مع بكين.
ومن هنا، فإن بقاء مستوى معين من التوتر يساهم—بشكل غير مباشر—في إبقاء العديد من دول المنطقة ضمن المظلة الأمنية الأمريكية.
إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها
في ضوء هذه المعادلات، يمكن فهم إعلان “انتهاء الحرب” ليس بوصفه نهاية حقيقية للصراع، بل باعتباره مرحلة جديدة في إدارة الأزمة.
فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط غالباً ما تقوم على معادلة دقيقة:
صراع لا يتصاعد إلى حرب شاملة، لكنه لا ينتهي تماماً أيضاً.
هذا التوازن يسمح لواشنطن بالحفاظ على دورها كضامن أمني رئيسي في المنطقة، ويمنحها في الوقت ذاته نفوذاً سياسياً واقتصادياً واسعاً.
خلاصة المعادلة
في النهاية، لا تتعلق المسألة بمجرد حرب انتهت أو نظام بقي. المسألة الأعمق هي كيفية إدارة القوة والنفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية في الحسابات الاستراتيجية.
وفي مثل هذه البيئات، لا يكون الهدف دائماً القضاء على الخصم، بل أحياناً الإبقاء عليه ضمن معادلة يمكن التحكم بها.
وبين خطاب الانتصار العسكري وواقع الحسابات الجيوسياسية، يبدو أن إعلان “نهاية الحرب” لم يكن سوى إعادة تموضع داخل صراع لم ينتهِ بعد.







