
ليس أخطر على دولة من حكومة تُجيد الكلام أكثر مما تُجيد الفعل، حكومة تصنع خطاباً مطمئناً، وتُشيّد على الورق خططاً واستراتيجيات، لكنها تنهار عند أول اختبار حقيقي، وهذا بالضبط ما كشفته الأيام القليلة الماضية.
فعلى مدار سنوات، لم تتوقف الحكومة عن ترديد العبارات المطمئنة: لدينا خطط، لدينا احتياطيات، لدينا رؤية لإدارة الأزمات، كانت هذه الجمل تتكرر في المؤتمرات والبيانات الرسمية، حتى أصبحت وكأنها حقائق ثابتة لا تقبل الشك، لكن الحقيقة – كما يبدو الآن – كانت شيئاً آخر تماماً.
فخلال خمسة أيام فقط من اندلاع الأزمة الناتجة عن الحرب الإيرانية الإسرائيلية، انكشفت هشاشة هذا الخطاب بالكامل، سقطت الرواية الحكومية التي طالما تحدثت عن جاهزية الدولة لمواجهة الأزمات، واتضح أن ما قُدِّم للمواطنين لسنوات لم يكن سوى وعود بلا سند حقيقي على أرض الواقع.
فأي دولة في العالم تدرك طبيعة الأزمات الجيوسياسية تحتفظ بمخزون استراتيجي من الطاقة يكفيها على الأقل شهراً، بل إن بعض الدول يصل مخزونها إلى عدة أشهر، لكن ما حدث في مصر أظهر أن هذا الحد الأدنى من التخطيط لم يكن موجوداً بالقدر الكافي، إذ سرعان ما ظهرت بوادر أزمة في سوق الطاقة، وارتفعت أسعار المحروقات في وقت قياسي، وكأن الدولة فوجئت بالأحداث بدلاً من أن تكون مستعدة لها.
ولم تقف التداعيات عند هذا الحد، بل امتدت إلى الأسواق المالية، حيث شهدت أدوات الدين الحكومية خروجاً سريعاً لرؤوس الأموال الأجنبية، ففي أيام قليلة فقط، فقدت أذون الخزانة ما يقارب 3.7 مليار دولار من الأموال الساخنة التي غادرت السوق المصري، وهذه الأرقام ليست مجرد تفاصيل مالية، بل هي مؤشر واضح على شيء أخطر: تراجع الثقة.
فالمستثمر، بطبيعته، لا يهرب من دولة بسبب أزمة عابرة، فالأزمات جزء من طبيعة الاقتصاد العالمي، لكنه يهرب عندما يكتشف أن الدولة لا تمتلك رؤية واضحة لإدارة تلك الأزمات، أو أن الخطط المعلنة ليست سوى تصريحات للاستهلاك الإعلامي.
وهنا تظهر المفارقة الصارخة بين ما قيل وما حدث، فقد أكد رئيس الحكومة مراراً في تصريحات سابقة أن الدولة تمتلك خططاً استباقية لإدارة الأزمات، وأن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات العالمية، لكن ما جرى خلال أيام قليلة وضع هذه التصريحات في موضع التساؤل الصريح: إذا كانت هذه الخطط موجودة فعلاً، فلماذا بدا المشهد مرتبكاً إلى هذا الحد؟
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وقوع الأزمة، فالأزمات جزء طبيعي من حركة العالم، خاصة في منطقة ملتهبة سياسياً مثل الشرق الأوسط، لكن المشكلة تكمن في غياب الاستعداد لها، وفي الفجوة الواسعة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي.
فالدول تُقاس قدرتها الحقيقية في لحظات الاختبار، لا في المؤتمرات الصحفية، وتُقاس كفاءة الحكومات بمدى قدرتها على حماية الاقتصاد والمواطن عند وقوع الأزمات، لا بمدى قدرتها على صياغة العبارات المطمئنة.
واليوم، ومع انكشاف هذه الحقائق، يصبح السؤال مشروعاً: هل كانت الحكومة تمتلك بالفعل رؤية استراتيجية لإدارة الأزمات؟ أم أن ما قُدِّم للمواطنين طوال السنوات الماضية لم يكن سوى حكومة أقوال… لا أفعال؟
لقد حان وقت الحساب السياسي الحقيقي، ليس بدافع المعارضة أو الخصومة، بل بدافع المسؤولية الوطنية، فالدول لا تتقدم بالشعارات، ولا تُدار بالأماني، بل تُبنى بالتخطيط الجاد والشفافية والمصارحة مع المواطنين.
أما استمرار الفجوة بين القول والفعل، فهو طريق لا يقود إلا إلى نتيجة واحدة: تآكل الثقة.. وهي أخطر خسارة يمكن أن تواجهها اي دولة.





