شاعر الوجدان وصانع روائع “الزمن الجميل”.. حسين السيد في ذكرى رحيله

تحل اليوم ذكرى رحيل واحد من أرقّ من صاغوا الكلمة في تاريخ الأغنية العربية، “شاعر الوجدان” حسين السيد، الذي غادر دنيانا في الثامن والعشرين من فبراير لعام 1983 ميلادية. ويمثل حسين السيد حالة إبداعية استثنائية؛ إذ لم يكن مجرد كاتب أغانٍ، بل كان “سيناريست” الكلمة المغناة، الذي استطاع أن يحول الأغنية من مجرد تطريب إلى حكاية ودراما نابضة بالحياة، ليترك خلفه إرثاً ضخماً تزيد مفرداته عن ألف أغنية سكنت ذاكرة الشعوب من المحيط إلى الخليج.
من طموح التمثيل إلى عرش الكلمة: صدفة “يوم سعيد”
وُلد حسين السيد في مدينة طنطا عام 1916، ونشأ في بيئة صبغتها الروحانيات واللغة العربية الرصينة، وصقلت موهبته مدرسة “الفرير” التي نال منها البكالوريا. بدأت علاقته بالفن برغبته في الوقوف أمام الكاميرا ممثلاً، فذهب ليختبر حظه في فيلم “يوم سعيد” أمام موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عام 1939. ورغم وسامته، إلا أن القدر كان يخبئ له ما هو أسمى؛ إذ كتب في تلك اللحظة كلمات أغنية “إجري إجري وديني قوام”، لتبهر عبد الوهاب ويولد في ذلك اليوم أعظم ثنائي فني عرفته الأغنية العربية، ليمتد تعاونهم لعقود أنتجت روائع مثل “عاشق الروح” و”لا مش أنا اللي أبكي”.
رائد الأغنية الأسرية وأدب الطفل المغنى
لم يحصر حسين السيد قلمه في أغاني العاطفة فحسب، بل كان المبتكر الأول للأغنية “الاجتماعية” والأسرية؛ فمن منا لا يذكر “ست الحبايب” التي أصبحت أيقونة الأمومة العربية، أو “يا حبيبي يا خويا”؟ كما كان له الفضل في ترسيخ أدب الطفل الغنائي من خلال روائع قدمها مع الفنان محمد فوزي مثل “ذهب الليل” و**”ماما زمانها جاية”، ومع الفنانة صباح في “حبيبة أمها” و“أكلك منين يا بطة”**، ليثبت أن الشاعر الحقيقي هو من يلامس احتياجات ومشاعر كل أفراد الأسرة المصرية والعربية.
حكواتي الأغنية وصانع “الديالوغ” السينمائي
ابتكر حسين السيد أسلوباً فريداً جعل الأغنية تبدو وكأنها “فيلم قصير”، مثل “ساكن قصادي” لنجاة الصغيرة، و**”عايز جواباتك”** لنجاح سلام، و**”فاتت جنبنا”** للعندليب عبد الحليم حافظ. كما طوّر شكل “الديالوغ الغنائي” داخل الأفلام ليصبح جزءاً من النسيج الدرامي، كما في “حكيم عيون” و**”ح اقولك إيه”**. ورغم تعاونه مع كافة عمالقة الطرب من فريد الأطرش وليلى مراد ووردة وشادية وحتى وديع الصافي، إلا أن لقاءه بـ “كوكب الشرق” أم كلثوم ظل المشروع الذي لم يكتمل، رغم تفوقه في كل الألوان الغنائية بما فيها الوطنية والدينية والفوازير.
التكريم والرحيل: إرثٌ لا يغيب
تقديراً لعطائه الاستثنائي، حصل حسين السيد على وسام العلوم والفنون في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، كما كرمه الرئيس السادات في عيد الفن. رحل حسين السيد في 28 فبراير 1983، لكن كلماته لا تزال تعيش بيننا، فكلما رددنا “توبة” أو “جبار” أو “أهواك”، وكلما احتفلنا بعيد الأم، استعدنا روح هذا الشاعر الذي جعل من الكلمة البسيطة فناً خالداً، ومن المشاعر الإنسانية أغنيات لا يمحوها الزمن.







