مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: سوريا وحزب الله على الحدود.. بين منطق الدولة ومنطق الساحة


من منظور المواطن السوري الذي يريد دولة مستقلة القرار لا ساحة صراع إقليمية، يبدو التوتر القائم مع حزب الله على الحدود السورية-اللبنانية واحداً من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد. فالدولة السورية اليوم لا تزال في طور إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، وفي الوقت نفسه تواجه بيئة إقليمية شديدة التوتر بسبب المواجهة المتصاعدة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. هذا الواقع يجعل أي احتكاك حدودي مع حزب الله قضية تتجاوز بعدها الأمني المباشر لتصبح اختباراً لقدرة سوريا الجديدة على استعادة سيادتها ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة حرب بالوكالة. تقارير دولية عدة تشير إلى أن سوريا ما تزال في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد القوى العسكرية المختلفة ضمن إطار مؤسسي واحد، وهو ما يجعل الاستقرار الداخلي أولوية أساسية في هذه المرحلة.

تزداد أهمية هذا الملف لأن التوتر الحدودي يتقاطع مع التصعيد الكبير الذي شهدته المنطقة في مارس/آذار 2026 بين إسرائيل وحزب الله. ففي بداية الشهر أعلنت الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية للحزب، مؤكدة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة اللبنانية وحدها، وذلك بعد هجمات أطلقها الحزب على إسرائيل وردّت عليها تل أبيب بضربات واسعة. وبعد أيام دفعت سوريا بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى حدودها مع لبنان، في خطوة عكست بوضوح خشية دمشق من انتقال الصراع إلى أراضيها أو من استخدام الحدود السورية كمنصة لعمليات عسكرية مرتبطة بالحرب الإقليمية الجارية.

في هذا السياق يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل العلاقة بين سوريا وحزب الله على الحدود المشتركة.
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، يتمثل في استمرار التوتر المحدود دون انزلاق إلى مواجهة واسعة. في هذا السيناريو تبقى الحدود منطقة احتكاك أمني منخفض الشدة، مع حوادث متفرقة ومحاولات تسلل أو تهريب، لكن دون تحولها إلى جبهة حرب مفتوحة. هذا الاحتمال يبدو واقعياً لأن جميع الأطراف المعنية تملك أسباباً قوية لتجنب التصعيد. فالدولة السورية ما تزال في مرحلة انتقالية وتحتاج إلى الاستقرار لإعادة بناء مؤسساتها، بينما يواجه حزب الله ضغطاً عسكرياً وسياسياً كبيراً في لبنان نتيجة المواجهة مع إسرائيل. لذلك من المرجح أن تسعى دمشق إلى تعزيز سيطرتها الأمنية على الحدود ومنع أي نشاط عسكري غير سوري داخل أراضيها، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الحزب داخل لبنان. مثل هذا التوجه ينسجم مع مبدأ سيادة الدول الذي يؤكد عليه ميثاق الأمم المتحدة، والذي يمنح الدول حق حماية حدودها ومنع استخدام أراضيها لشن عمليات عسكرية ضد دول أخرى.

السيناريو الثاني، وهو الأكثر خطورة بالنسبة لسوريا، يتمثل في احتمال أن يحاول حزب الله أو شبكات مرتبطة به استخدام الأراضي السورية بصورة غير مباشرة في إطار الصراع مع إسرائيل. فقد يؤدي الضغط العسكري على الحزب داخل لبنان إلى محاولة الاستفادة من الفراغات الأمنية في المناطق الحدودية السورية، سواء لأغراض لوجستية أو عملياتية. هذا الاحتمال يزداد تعقيداً لأن التغيرات السياسية في سوريا بعد سقوط الأسد أضعفت خطوط الإمداد التقليدية التي كانت تربط إيران بحزب الله عبر الأراضي السورية، وهو ما قد يدفع بعض الأطراف إلى محاولة إعادة بناء هذه الشبكات بطرق مختلفة.

إذا تحقق هذا السيناريو فقد تجد سوريا نفسها أمام خطر التحول مجدداً إلى ساحة صراع إقليمي، وهو ما سيعرضها لضربات عسكرية محتملة ويقوض جهود إعادة بناء الدولة. كما أن عودة عسكرة الحدود ستؤثر مباشرة على المدنيين في المناطق الحدودية، وهو ما حذرت منه هيئات الأمم المتحدة التي أكدت ضرورة حماية حقوق الإنسان في سوريا خلال المرحلة الانتقالية.

أما السيناريو الثالث، وهو الأفضل لسوريا لكنه الأصعب تحقيقاً، فيقوم على انتقال التوتر الحالي إلى مسار احتواء سيادي منظم بين سوريا ولبنان. في هذا السيناريو تتعاون الدولتان لضبط الحدود وإغلاق المعابر غير الشرعية ومنع أي نشاط عسكري خارج مؤسسات الدولة في البلدين. لا يعني هذا أن سوريا ستشارك في نزع سلاح حزب الله داخل لبنان، فهذه مسألة لبنانية داخلية، لكن يمكن للجيش السوري أن يلعب دوراً مهماً في منع وجود أي نشاط عسكري للحزب داخل الأراضي السورية وإغلاق خطوط الإمداد عبر الحدود. مثل هذا المسار يمكن أن يعزز فكرة الدولة في البلدين ويحد من قدرة الفاعلين غير الحكوميين على استخدام الجغرافيا الحدودية في الصراعات الإقليمية.

في النهاية، تبدو المصلحة السورية واضحة في هذه المرحلة: تجنب الانجرار إلى الحرب الإقليمية مع الحفاظ على سيادة الدولة ومنع أي طرف من استخدام الأراضي السورية كمنصة لصراعاته. فالتحدي الحقيقي أمام سوريا الجديدة ليس فقط في إدارة التوتر مع حزب الله، بل في ترسيخ مبدأ أساسي بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، وهو أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة السورية وحدها. نجاح دمشق في تثبيت هذا المبدأ سيكون خطوة حاسمة في انتقال سوريا من دولة منهكة بالحرب إلى دولة قادرة على حماية سيادتها واستقرارها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى