تحولات اقتصادية واجتماعية قاسية تفرض واقعا جديدا على ملف قضية برج مغيزل بمطوبس

تتصدر قضية برج مغيزل إحدى القرى التابعة لمركز مطوبس في محافظة كفر الشيخ المشهد الراهن كنموذج صارخ للتحولات الجذرية التي أصابت مجتمعات الصيد الساحلية في شمال الدلتا نتيجة ضغوط اقتصادية وأمنية متلاحقة، حيث تجسد هذه الأزمة عمق الفجوة بين النشاط التقليدي والواقع المفروض، بعدما طالت التوقيفات 44 شخصا منذ عام 2020 وحتى العام التالي له، وشملت القائمة صيادين عائدين من الأراضي الليبية، بالإضافة إلى ثلاثة أفراد على الأقل جرى توقيفهم فور وصولهم للمطارات المصرية قادمين من دول أوروبية مثل أيرلندا وإيطاليا لقضاء عطلات عائلية، مما جعل اسم القرية يتردد بقوة في أروقة الجهات القضائية المختصة،،
تجاوزت فترات الحبس الاحتياطي لمتهمي قضية برج مغيزل حاجز الأربع سنوات دون إحالة فعلية للمحاكمات الرسمية، وهو ما يمثل ضعف المدة القانونية القصوى المقررة لمثل هذه الحالات، وتكشف مسارات التحقيق التي أشرفت عليها نيابة أمن الدولة العليا عن توجيه اتهامات ثقيلة تتعلق بتمويل جماعات محظورة والضلوع في عمليات نقل أسلحة عبر الحدود، في وقت تفرض فيه السلطات سياجا من السرية على محاضر التحريات، مما جعل الموقف القانوني للصيادين يزداد تعقيدا في ظل السياسات الصارمة التي تنتهجها الدولة لمكافحة ظاهرة التسلل غير القانوني عبر السواحل البحرية،،
الأزمات الهيكلية وتآكل عوائد الصيد التقليدي
تسببت الارتفاعات القياسية في تكاليف الإنتاج في شل حركة المراكب الكبيرة داخل قضية برج مغيزل، حيث قفزت أسعار السولار بنسبة تراكمية مذهلة بلغت 1490% منذ منتصف عام 2014 وحتى شهر أكتوبر الماضي، مما رفع تكلفة الرحلة الواحدة للمركب إلى نحو 400 ألف جنيه، وتتوزع هذه المبالغ الضخمة بين تموين المحركات الكثيفة واحتياجات الطاقم المكون من “البحرية” وتوفير نحو 1800 لوح ثلج بسعر يتجاوز 25 جنيها للوح الواحد، وهي أرقام تجعل من تحقيق هامش ربح أمرا شبه مستحيل حتى في حال جمع طن ونصف من الأسماك في السرحة الواحدة،،
أدت السياسات السعرية الجديدة إلى تغيير الخريطة الإنتاجية، حيث لم يعد إنتاج الصيد البحري يمثل سوى 4.9% من إجمالي الإنتاج القومي، بينما استحوذ الاستزراع السمكي على نصيب الأسد بنسبة 77.6%، وتزامن ذلك مع إطلاق المشروع القومي للاستزراع الذي شمل تسعة مشروعات عملاقة جعلت مصر تتصدر المرتبة الأولى أفريقيا والسادسة عالميا في هذا القطاع، بينما اضطر أصحاب المراكب في إطار أزمة قضية برج مغيزل إلى البحث عن بدائل خارج الحدود الإقليمية، سواء عبر التسلل للمياه الدولية أو عقد شراكات غير رسمية مع أطراف في دول الجوار لتقليل النفقات،،
مسارات الهجرة وتشديد القبضة الأمنية على السواحل
فرض القانون رقم 82 لسنة 2016 واقعا أمنيا مشددا استهدف تجفيف منابع الهجرة غير النظامية، خاصة بعد الحوادث المأساوية التي شهدها عام 2016، مما أدى إلى تراجع حاد في أعداد المغادرين عبر الشواطئ المصرية، وتكشف البيانات الرسمية أن عام 2018 شهد إعلانا بخلو البلاد من أي حالات تسلل غير قانوني، ومع ذلك تشير إحصاءات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لعام 2021 إلى أن المصريين شكلوا 21% من إجمالي المهاجرين المنطلقين من السواحل الليبية، وهو ما وضع الصيادين تحت مجهر الملاحقات المستمرة بتهم تهريب البشر وتغيير النشاط المهني هربا من الرقابة،،
توسعت ظاهرة هجرة المراكب المصرية نحو دول غرب أفريقيا مثل السنغال وسيراليون وموريتانيا خلال السنوات الخمس الماضية كحل أخير للهروب من الخسائر المادية الملاحقة لملف قضية برج مغيزل، حيث يتم تأجير المراكب لشركات دولية بمرتبات ثابتة وعقود قانونية تضمن للبحرية وضعا شرعيا، مما أدى إلى خلو بوغاز رشيد من أسطوله المعتاد الذي كان يملأ الأفق، وفي المقابل يظهر مشروع بركة غليون الذي افتتحت مرحلته الأولى عام 2017 على مساحة 4 آلاف فدان ثم توسعت لتشمل 9 آلاف فدان أخرى، كبديل مؤسسي يهيمن على المشهد السمكي في المنطقة حاليا،،






