مقالات وآراء

د.حسام بدراوي يكتب: نساء من نور..في ظلال العقول

وفي مسار الفكر، هناك أسماء لم تكن مجرد علامات على طريق، بل كانت الجسر ذاته، نساء لم ينتظرن التفويض من أحد، بل كتبن بوجودهنّ شرعية الفكر والقرار والاختيار.
نحن هنا لسنا أمام “كوتة” رمزية لتمثيل الجنس الناعم، كما يحدث هذه الأيام ، بل أمام عقول عنيدة، قلوب جريئة، وأرواح صنعت التغيير.

في هذا المقال، لا أبحث عن الإنصاف فقط، بل أُصغي لما غفلنا عنه طويلًا، وأفتح باب الحوار مع نساءٍ كان لهن عقلٌ يتجاوز حدود الجسد، ورؤيةٌ اخترقت حُجب العصور.
من هيباتيا الإسكندرية التي قُتلت لأنها فكرت، إلى سيمون دي بوفوار التي زلزلت أساسات الثقافة الذكورية، إلى روزاليوسف التي عاقبت حاكمًا… بالصمت.
هنا، أُحادث هؤلاء النساء لا باعتبارهن “نساءً عظيمات”، بل باعتبارهن عقولًا لا يمكن تجاوزها، ونفوسًا نذرت ذاتها للتأثير لا للزينة، وللصراع لا للتماهي، وللخلق لا للتقليد.
في عالمٍ لا يزال يضع حدودًا بين “الرجل المفكر” و”المرأة المفكرة”، أفتح جسورًا بيني وبينهن، لا لأُعيد لهن حقًا مسلوبًا، بل لأتعلّم أنا — الرجل —كيف يكون الفكر إن وُهب لشخص لا يخاف، ولا ينتظر الإذن كي يصدح بالحق.
أهدي هذا الفصل من الكتاب اليً كل شابة وقفت أمامي في محاضرة، وفي حوار وسألت سؤالًا يُقلق السكون. الي كل أم وجدة ، وأخت وصديقة ، الي كل زوجة وإبنه ، الي كل من تخشي البوح برأيها وكل من تتعرض الي الكبت والتضييق لمجرد أنها إمرأة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في زمن كان فيه الصوت جريمة، كانت هي الجسارة تمشي على قدمين.
امرأة لا تشبه زمنها، بل تصنعه.
هي روزاليوسف… فاطمة اليوسف…
اليتيمة التي صارت سيدة الكلمة…
الممثلة التي خلعت رداء الفن لتلبس درع الصحافة…
والأم التي واجهت السجن بالصمت، لا بالدمع.
قصة السيدة روزاليوسف هي واحدة من أكثر قصص النساء في مصر إلهامًا وإثارة للإعجاب، حيث جمعت بين التمرد الفني والجرأة الصحفية، وبين الأمومة التي أنجبت عملاقًا أدبيًا اسمه إحسان عبد القدوس وبين الإعتداد بالنفس والقوة لتقف في زمكان ذكوري النزعة تعلن قيمة المرأة باعتزاز.
النشأة:
وُلدت فاطمة اليوسف في أوائل القرن العشرين (1906 تقريبًا)، في مدينة طرابلس بلبنان، وتيتمت في طفولتها، فتبناها تاجر شامي وأحضرها إلى مصر. هناك بدأت رحلتها مع الحرمان والوحدة والغربة.
عملت في بداية حياتها ممثلة مسرحية، وسرعان ما سطع نجمها في فرقة رمسيس المسرحية بقيادة يوسف وهبي. لكن روحها كانت أوسع من دور على خشبة المسرح. كانت تحمل في أعماقها رغبة في التعبير عن الرأي، وعن الوطن، وعن الحق.
كيف وُلدت “روزاليوسف” الصحفية؟
في عام 1925، قررت فاطمة أن تتخلى عن المسرح وتؤسس مجلة صحفية حملت اسمها الفني: “روزاليوسف”. هذا القرار كان غير مسبوق، فامرأة تقتحم الصحافة السياسية الساخنة في زمن يهيمن عليه الرجال، وفي ظل الاستعمار، كان أمرًا يتطلب قوة استثنائية.
لكن روزاليوسف لم تكن امرأة عادية. أسّست مجلتها على مبدأ النقد الجريء والاقتراب من الخطوط الحمراء: كانت تهاجم الاحتلال الإنجليزي، تنتقد الحكومات، وتفضح الفساد السياسي. وقدمت في صفحاتها كاريكاتيرًا لاذعًا تجاوز الخطوط التقليدية، ما جعلها مهددة دائمًا بالإغلاق أو الاعتقال.
مدرسة للكبار: من تحت يدها خرجوا
تحوّلت “روزاليوسف” من مجرد مجلة إلى مدرسة صحفية وفنية. خرج من تحت عباءتها:
أعظم رسامي الكاريكاتير في الوطن العربي: مثل صاروخان، ورخا كبار الكتاب والصحفيين، مثل مصطفى أمين ومحمد التابعي
وبالطبع… إحسان عبد القدوس، ابنها، الذي صار فيما بعد واحدًا من أعمدة الأدب والصحافة والسياسة في مصر
الأم التي أنجبت ثورة أدبية
كان إحسان عبد القدوس ابنها من زواج لم يدم، لكنه نشأ في حضن امرأة تؤمن بالكلمة الحرة، وتعلّق أهميتها على حرية الإنسان. زرعت فيه مبادئ الاستقلال والشجاعة والكتابة من أجل الوطن، فكبر ليكتب أعظم الروايات والمقالات، ويدير مجلة “روزاليوسف” ثم “آخر ساعة” بجسارة وفكر فذ.
بقيت مجلة روزاليوسف إلى اليوم، تحمل اسمها وتواصل رسالتها ، بقي اسمها رمزًا لامرأة تجاوزت السقف، وكشفت الزيف، وبنت حاضنة فكرية لجيل كامل ، بقيت ذكراها درسًا حيًا أن امرأة واحدة مؤمنة برسالتها، قادرة على أن تغيّر الواقع وتصنع تاريخًا.
لم تكن “روزاليوسف” مجرد امرأة…كانت زوبعةً من نور وتمرّد، قلبًا يتغذّى على الحبر، وروحًا تعتنق الحرية دينًا.
كان إحسان يشبهها في جرأتها، لكنه أضاف إلى قلمه حنينًا وروحًا وذكاءً سياسيًا نادرًا.


ولم يكن مجرد كاتب، بل كان شريكًا في الحلم الوطني. ولم يكن مجرد ابنها، بل كان الامتداد الطبيعي لثورتها الشخصية.
في ربيع 1954، ضاقت الأرض على إحسان.
كتب مقالًا كالرصاصة، بعنوان: “الجمعية السرية تحكم مصر”،
وفيه اتهم مجلس قيادة الثورة بأنه ما زال يحكم بنفس عقلية السرية والكتمان والتآمر.
لم يحتمل عبد الناصر صراحة الصديق القديم، وأمر باعتقاله، وأُلقي في غياهب السجن الحربي.
هنا… لم تبكِ “روزاليوسف” لم تصرخ، لم تتوسّل، لم تكتب خطاب استغاثة،
بل فعلت ما لا يقدر عليه سواها. لم تغلق المجلة، ولم تكتب مقالًا محجوبًا،بل أمرت بما يشبه العصيان المدني الصحفي:“لا يُنشر حرفٌ واحد عن مجلس قيادة الثورة حتى يعود إحسان.”وهكذا صدرت المجلة العريقة،وخالية من اسم “ناصر”، ولا أثر لـ”السادات”،ولا ذِكر للثورة التي غيّرت وجه مصر.
أصبحت المجلة كأنها تقول بصمتها: “أنتم لا وجود لكم عندنا… حتى تُعيدوا لنا ابن الكلمة”.
أصاب القرار دوائر الحكم بالدهشة والحيرة، فالرقابة لا تستطيع أن تُجبر المجلة على نشر ما لا تريد، ولا يقدرون على إغلاق منبرٍ هو جزء من نبض الشارع. فصمتوا، وراقبوا، وغضبوا…
حتى قرروا أن يفرجوا عن إحسان.
وعاد ابنها، وعادت الأخبار ، لكن شيئًا تغيّر إلى الأبد، فقد علّمتهم روزاليوسف أن الكلمة الحرة لا تُعتقل، وأن الأم إذا كانت وطنًا، فلا سلطان على غضبها.
لم تكن روزاليوسف امرأة عادية، كانت ثورة من لحم ودم، وكانت أمًّا لصحافة لها مخالب، وقلب.
سجّلوا في كتب الرجال والنساء أنّ امرأةً واحدة في مصر،
عاقبت الحُكّام… بالكتمان.
—————————
في حوار افتراضي في مكتبة الإسكندرية استدعينا السيدة روزاليوسف من خلال الممر الزمكاني الذي استدعينا من خلاله الفيلسوفة هيباتيا وسيمون دي بولفار، لتحاورنا .
قدمت روزاليوسف لشباب الحالمين بالغد التقديم السابق، ثم واجهتها قائلاً؛
سيدتي، جئت من جيل لا يعرفك كما يجب، أرجو أن تعرّفي نفسك لشباب اليوم.
روزاليوسف (بابتسامة هادئة):
أنا من كتبتُ أول صفحة لي بحبر المعاناة.
ولدت في لبنان، ونشأت في قسوة، ووجدت نفسي على المسرح، ثم في قلب السياسة، ثم في حضن الحبر.
لم أطلب شيئًا… لكنني أخذت حقي كاملاً.
اسمي فاطمة، لكنني اخترت أن أكون “روزاليوسف”، اسمًا لا يُمحى من ذاكرة الصحافة.
قلت:
هل بدأتِ كمناضلة، أم أنّ الصحافة قادتك إلى المواجهة؟
روزاليوسف:
لم أكن أبحث عن النضال… كنت أبحث عن الحقيقة.
لكن حين تنشر الحقيقة في وجه الطغيان، تصبح تلقائيًا في خندق المواجهة.
كنت أقول: “إذا لم أقل كلمتي… فمن؟ ومتى؟”
قلت:
في عام 1954، اعتُقل ابنك إحسان عبد القدوس، الكاتب والصحفي الكبير ، ففاجأتِ الجميع بإيقاف اي ذكر لرجال الثورة وأي أخبار عنهم . هل كان ذلك قرارًا عاطفيًا… أم سياسيًا؟
روزاليوسف (بحدّة متزنة):
كان قرارًا مبدئيًا. ابني كان يكتب ضمير أمة، لا خواطر عابرة.
اعتقاله لم يكن ضربة شخصية… بل صفعة لحرية الصحافة.
فأوقفت ظهور كل أخبار الثورة ، وقلت للعالم: “إذا اعتقلتم صوتي، فلن أُعطيكم صفحاتي.”
قالت سامية الشابة الذكية :
ولكنكً مما قرأت كنتي قد أيدتي الثورة بل وأرسلتي خطابا الي عبد الناصر علي صفحات مجلتك قبل ذلك ، فماذا كانت فحواه ؟
قالت روزا:
أرسلت عام 1953 إلى “ناصر” خطاب نشرته في مجلة روز اليوسف قلت له فيه : أنت في حاجة لمن يختلف معك!! و الخطاب غاية في الادب و الذوق ولكنه أيضا في منتهى القوة .
وبدأته بتحية جهوده وزملائه من الضباط الأحرار وعملهم الدائب من أجل نهضة مصر ، وقلت: أنني أعرف الكثير من ساعاتك التي تنفقها عملا بلا راحة ، ولياليك التي تقضيها سهرا بلا نوم ، وتدقيقك البالغ في كل ما يعرض عليك من أجل الوصول إلى الأفضل ، لكنك وحدك لن تقدر على كل شيء ولا حتى بالمعونة المخلصة التي يقدمها كل من يحيطون بك وكل من تعرفهم وتثق بهم ..
أراك في حاجة لسماع رأي من يختلفون معك حتى تكتمل الصورة أمامك ، وهذا لن يتأتى إلا بإطلاق الحريات العامة وخاصة حرية الصحافة ..
قلت : أكملي الرسالة ليعرف الشباب قيمةً الرأي الحر.
روزا : في رسالتي لحاكم مصر قلت: قرأت لك كلاماً طيباً ، بأنك تبحث عن الكفاءات في كل مكان و ترحب بالنقد البناء ، والكلام وحده لا يكفي ، بل لابد من ترجمته إلى واقع ..
ومصر بلادنا العظيمة مليئة بالكفاءات ، ولكنك لن تستطيع جذبهم إلا إذا شعروا أنهم أحرار في إبداء آرائهم ، أما إذا أستعنت بهم لتحقيق ما تريده فهذا سيجعلهم يفكرون أكثر من مرة في العمل معك ، لأن مجرد شعور صاحب الكفاءة بأن هناك شيئاً مطلوباً وشيئاً آخر غير مطلوب يجعله إما أن يبعد بنفسه خشية ألا يوافق المطلوب ! وإما أن يقترب بعدما يهيئ نفسه ليتلائم مع ما يعتقد أنه مطلوب !!
فتضيع الفائدة في كلتا الحالتين.
قلت لها: وهل تقبل “ناصر” النقد البناء
قالت : الصحف كانت قد أصبحت طبعة واحدة لا ترى الاختلاف بينها إلا إستثناء ، وأظن أن ذلك يخالف ما كنا نأمله من النقد البناء !
قلت : دعونا نتأمل الواقع الحقيقي ،أيامها وأيامنا ، فهناك رقابة على الصحف ..التي لن تسمح بالتأكيد للرأي المخالف بالإضافة إلى القيود المشددة على الحريات ، وكل إنسان حر لابد أن يتحسس رقبته أولا ويفكر مرات عدة قبل أن يدلي بدلوه في مثل هذه الظروف.
لقد ناقشت السيدة روزا “ناصر” في وجهة نظره من أن إطلاق الحريات لم تؤدي إلا إلى الفوضى ولا يستفيد منها إلا الملوثون المغرضين الذين يريدون تحقيق أغراضهم وتجارب مصر تشهد على ذلك ، وتتساءل سيدتي العظيمة وهل البديل هو ما نعيش فيه حالياً فلا يسمع إلا الصوت الواحد فقط ؟؟ أم أنه من الأفضل الإستفادة من أخطاء الماضي ووضع قواعد تسمح بحريات حقيقية وتقضي على دولة الخوف والرقابة على الكلمة ويتاح خلالها لكل صاحب رأي أن يعبر عن رأيه.
وأقول لكم يا شباب ، ولأنها “روزاليوسف، فلم يستطع “ناصر” سوى أن يشكرها على نصائحها وإشادته بما يبذله من جهد ..
وقال أشعر بالعرفان لإحساسك بما أقوم به من جهد من اجل مصر ، وأكد على ما قالته من أنه وكل زملائه من الضباط الأحرار لن يستطيعوا فعل شيء دون الإستفادة بمختلف الكفاءات ..
ولم يجادلها فيما قالته ، لكن بعد سنة بالضبط اعتقل ابنها “إحسان عبد القدوس” عام ١٩٥٤ بعد مقال كتبه ينتقد فيه مجلس قيادة الثورة ..
قال لها أحمد : هل خفتِ يومًا من سطوة الدولة، من السجن، من العزل؟
روزاليوسف (تنظر بعيدًا):
الخوف؟ نعم، كلنا نخاف.
لكنني تعلّمت أن أستأنس بالخوف ولا أسكن إليه.
الكرامة أثمن من النجاة.
وإن سقطتُ، فأُفضل أن يكون ذلك من أجل كلمة… لا من أجل مجاملة
قلت (بصوت تأملي):
لو كنتِ بيننا اليوم، ورأيتِ ما صار إليه الإعلام، ما كنتِ لتقولي؟
روزاليوسف:
كنت سأقول:
لا تبيعوا الميكروفون لمن يدفع أكثر، ولا تُصفّقوا لمن يشتري الصمت.
الصحافة ليست إعلانًا، ولا منصة تريند…
هي ضمير، وضمير لا يُشترى.
قلت:
وأخيرًا، سيدتي… ما وصاياكِ لشباب اليوم؟
روزاليوسف (تنهض ببطء، تنظر إلى الشباب مباشرة):
. لا تخشوا قول الحق، فسكوتكم يعطي القوة للباطل.
. لا تظنوا أن الحرية تُمنح… إنها تُنتزع بالوعي.
. لا تصدّقوا أن التاريخ يصنعه الأقوياء… بل يصنعه من يكتبونه بشجاعة.
. لا تخذلوا أقلامكم… فالكلمة التي لا تُكتب، قد تصبح ندماً دائمًا.
. وإن كان لا بد من صمت، فليكن صمتًا يحتجّ، لا يستسلم.
(تتراجع روزا إلى الخلف في ضوء خافت، بينما وقفنا كلنا ، احترامًا.
قالت واحدة من الشباب (همسًا):
لم تكن امرأة فقط … لكنها كانت أمة.
مَن قال إن الأنوثة ضعف؟
في حضرة روزاليوسف… الكلمة أقوى من الرصاص،والصمت أبلغ من الهتاف.
(ينطفئ الضوء تدريجيًا.. وننظر اليً بعض ونبتسم ونترحم علي امرأة ولا كل ال


هيباتيا

كان الغروب يتسلل إلى أروقة مكتبة الإسكندرية ، يسكب ضوءه الذهبي على أرضية الزجاج كأنه يرسم خطوطًا من الزمن.
في القاعة الداخلية، حيث الشاشات تحيط بالمخطوطات، والكتب الورقية تتجاور مع أرشيف رقمي لا حدّ له، بدأت شاشة العرض الضخمة تهتز، ثم تنفتح بوميض خاطف.
ومن خلال الثقب الزمكاني الذي تشكّل في الفضاء، كأن الزمن نفسه انحنى ، ومن قلب هذا الوميض، خرجت امرأة برداء أبيض، متواضع كأثواب الحكماء، وهيئة كأنها تنتمي لعالم أرقى من الصراع.
شعرها مربوط في ضفيرة، وعيناها تشعّان بنورٍ لا تصنعه الكهرباء.


إنها الفيلسوفة” هيباتيا”… قد أتت الينا…
في زمن “هيباتيا “كانت الفلسفة الأفلاطونية الحديثة هي التيار السائد بين المثقفين، وقد ورثته عن أفلوطين وبروفيري، وتأثرت بكتابات أرسطو ، وكانت تقود مدرسةً فلسفية تُدرِّس فيها الفلسفة والرياضيات والفلك.
أما على الساحة، فكانت محاطة برجال دين وفلاسفة، بعضهم تلاميذ لها مثل سينيسيوس، وبعضهم خصوم سياسيون ودينيون مثل كيرلس
قالت :لم يسبق لي أن وقفت أمام تاريخٍ حيّ، لكن هيبتها كانت هادئة، كأنها اعتادت أن تُبعث كلما احتاج العالم إلى النور.
قلت:
مرحبًا بكِ… يا من حملتِي شعلة العقل وسط عصور العتمة.
نظرت الي شباب الحالمين واستطردت : يا أولادي انتم أمام هيباتيا، ابنة الإسكندرية، أول امرأة في التاريخ تُدرّس الرياضيات والفلك والفلسفة علنًا، في القرن الرابع الميلادي.
درّستِ وألقتِ المحاضرات في قلب المدينة، دون أن تخجل من صوتها ، ولا من عقلها.
لم تكن “هيباتيا “رمزًا نسويًا فحسب، بل كانت رمزاً إنسانيًا للعقل الحرّ، للعلم الذي لا يخضع، للفكر الذي لا يستسلم.
واليوم… وقد فُتح الثقب بين العصور، مرة أخري ، أقدمها لكم لتحاوروا الماضي بعقول الحاضر.
-نظرت هي إلى وجوه الشباب حولي، فرأيت الدهشة، الحماسة، والاحترام.
تقدّم شاب وسألها:
ــ يا سيدة الفلسفة… ما كانت قضيتك الحقيقية؟ ما الذي كنتِ تدافعين عنه؟
هيباتيا بهدوء عميق:
قضيتي كانت الحرية العقلية، أن يفكر الإنسان دون وصاية، أن يبحث عن الحقيقة دون خوف من تهمة أو محرقة.
دافعتُ عن أن تبقى المعرفة مُتاحة، وأن تظل مكتبة الإسكندرية مفتوحة لكل مَن يسعى للفهم.
كنت أرى أن العقل أقدس من الطقوس، وأن السؤال أعظم من التكرار.
“الحقيقة لا تتغير، سواء صدقها الناس أم لم يصدقوها.”.
“فهم الأشياء التي تحيط بنا هو أفضل استعداد لفهم ما يكمن وراءها.”
“يجب أن تدرس الخرافات على أنها خرافات، والأساطير على أنها أساطير، والمعجزات على أنها خيالات شعرية.”
“من يؤثر على تفكير زمانه، يؤثر على كل اللحظات التي تتبعه.”
“احفظ حقك في التفكير، حتى ولو كان التفكير بشكل خاطئ، فهو أفضل من عدم التفكير على الإطلاق.”
سألها آخر:
ــ ومن كانوا أعداؤك؟ هل كانوا رجال دين أم ساسة؟
قالت وهي تنظر إلى نقطة بعيدة لا نراها: أسوأ الأعداء هم من جمعوا بين الاثنين. رجال ارتدوا عباءة الدين ليُخضعوا بها المدينة.
كان كيرلس، أسقف الإسكندرية، يرى فيّ تهديدًا لحكمه. لم أكن عدوًا له، بل كنتُ حرة… وهذا وحده ما لم يتحمله.
قالت شابة، وكانت تجلس قرب الواجهة الزجاجية:
ــ هل زارك فلاسفة من عصرك؟ وهل كان في الإسكندرية آنذاك من يفكر مثلك؟
ابتسمت هيباتيا، وكأنها تسترجع ممرات كانت تسير فيها يومًا وقالت:
نعم… جاءني طلاب من روما، ومن أنطاكية، ومن أثينا.
ناقشنا الأفلاطونية المحدثة، وتعلمنا من أفلوطين أن النفس تصعد إلى الواحد، لا بالقوة بل بالتأمل.
وفي الإسكندرية، كان هناك تنوّع مدهش: فلاسفة مسيحيون، وأتباع ديانات مصرية قديمة، ومفكرون يونانيون…المدينة كانت آنذاك تشبه العقل نفسه: متشابك، قلق، ومضيء.
جاء صوت واحدمن الشباب وكان صامتاً منذ البداية:
ــ كيف انتهت حياتك؟ هل ندمتِ على شيء؟
سادت لحظة صمت خفيف، قبل أن تقول: لقد مزّقوني في الشارع
-هيباتيا (تسكت لحظة ثم تقول بهدوء):
مات الجسد، لا الفكر.
لقد سحلوني في شوارع الإسكندرية، جردوني من ملابسي، وقطعوني بين الحجارة، لا لذنب… إلا لأني لم أنحَنِ.
لكنني لم أصرخ.
كانت روحي قد ارتفعت، وأنا أرى السماء أكبر من جدران معبَد أو أسوار كاتدرائية.
نزعوا ثيابي، وجعلوا جثتي رمادًا بين حجارة الغوغاء.
…لم أصرخ…
كنت أعرف أنني لا أُقتل لشخصي، بل لما أمثل.
…لم أندم…
من يموت من أجل النور… لا يخسر شيئًا.
وها أنا بينكم اليوم، بعد قرون، فهل يبدو لكم أنني متُّ حقًا؟
قلت: لو طلبتُ منكِ وصية لشباب هذا القرن… ماذا كنتِ لتقولين؟
نظرت هيباتيا إلى الوجوه من حولها، ثم تكلمت كأنها تقرأ من لوحٍ سماوي:
فكّروا… ثم فكّروا… ثم شكّوا. فالعقل لا يُهزم إلا إذا تكاسل.لا تجعلوا الدين قيدًا، ولا تجعلوا العلم صنمًا ابحثوا عن التوازن.
احذروا رجالًا بلا رحمة، وإن نطقوا باسم الرب ، و احترموا المرأة لا لأنها ضحية، بل لأنها عقلٌ لا يقلّ عنكم.
ابنوا مكتبات في قلوبكم، لا في حجارة المدن فقط ، ولا تخافوا من الموت… بل اخشوا أن تعيشوا بلا وعي.
بدأ الضوء يعود، كأن الزمان يستعيدها.
همستُ لها:
ــ هل ستعودين من جديد؟
قالت:
حين تشتدّ الحاجة…
وحين يُفتح ثقب آخر، لا بالحسابات الفلكية، بل بعقولكم أنتم.
واختفت هيباتيا.
وبقي الصدى معلقًا بيننا:
“ابنوا مكتبات في قلوبكم…”


“أن تولد امرأةً وأن تختار أن تكون إنسانًا”

تتناثر الكتب على الطاولات، ورائحة القهوة تتداخل مع موسيقى خافتة لبيتهوفن…..
قلت وأنا أفتح كتاب “الجنس الآخر” وكأن الزمن انكسر، حيث جلست أمامنا امرأة ذات ملامح حادة وعيون كأنها تنقّب الجالسين.
انها سيمون دي بوفوار، المرأة الفيلسوفة التي خاضت معركة الوعي والوجود، ونادت بحرية المرأة لا بوصفها كائناً منفصلاً، بل باعتبارها إنسانًا كاملاً.
هذا الحوار هو امتدادًا لجسورنا الفكرية في كتابنا “جسور النور بين العصور ”، ويكشف عمقًا إنسانيًا داخل جوهر الإنسان.
من هي سيمون دي بوفوار؟؟
قلت للحالمين بالغد:
هي كاتبة فرنسية، وفيلسوفة وجودية ونسوية إضافة إلى أنها منظرة اجتماعية. كتبت (دي بوفوار) العديد من الروايات والمقالات والسير الذاتية ودراسات حول الفلسفة والسياسة وأيضاً عن القضايا الاجتماعية. اشتهرت (سيمون دي بوفوار) بكتابها (الجنس الآخر) والذي كان عبارة عن تحليل مفصل حول اضطهاد المرأة وبمثابة نص تأسيسي للنسوية المعاصرة.
تقول (سيمون دي بوفوار) في كتابها (الجنس الآخر):
نحن لا نولد نساء ولكن نصبح كذلك
وتطرح سؤالا عميقا، “كيف وصل الحال بالمرأة إلى ماهو عليه اليوم؟ أي أن تكون الآخر”.

أوضحت (دي بوفوار) أن المعطيات البيولوجية التي حددت مفهوم الذكر والأنثى بالأعضاء التناسلية ليست مبررا لاعتبار المرأة هي الجنس الآخر، ولا يمكن تقرير مصير المرأة النهائي بناء على تلك المعطيات، كما أنها لا تحدد التمايز بين الجنسي، فتفسير الآخر بناءً على نظرية (فرويد) يرى أن النقص عند المرأة هو حرمانها من العضو الذكري على اعتبار أنه رمز الامتيازات الممنوحة للصبيان.

الحقيقة الواضحة والجلية،من وجهةً نظرها ، أن المرأة هي التي جعلت نفسها الآخر، رضيت بمصيرها المحتوم كزوجة وأم، وفرضت عليها نشأتها الاجتماعية أن تكون آخراً و مجرد متاع للرجل، خادمة مطيعة في بيت زوجها، لا تنفك عنه فهي جزء من الآخر استسلمت فيه للمجتمع وقيمه.،

وقد تطرقت (سيمون دي بوفوار) في كتابها (الجنس الآخر) إلى نقاط مهمة، أن المرأة لا تؤمن بتحريرها، ففي الحقيقة هناك نساء مقتنعات بحدود الحرية المتاحة إليهن ويعتبرونها الحرية المنشودة حتى وإن ظلت قابعة في المنزل، فهي ترى حريتها ضمن نطاق حدده المجتمع الذكوري بل قد تجد الكثيرات في معنى الحرية الفضفاض انحلال أخلاقي.

قلت:سيمون دي بوفوار… أهذا حلم؟ أم أنكِ خرجتِ من بين السطور؟
سيمون (بهدوء وابتسامة خفيفة):
أحيانًا، لا نحتاج إلى الحلم لنلتقي، يكفي أن نسأل بصدق.
وأنت، يا من تبني جسورًا بين العقول، ألم تسأل يوماً: لماذا نولد أحرارًا ثم نقضي حياتنا نطالب بحريتنا؟
قلت: سألتُ كثيرًا، لا سيما حين رأيت كيف يُختصر وجود المرأة في أدوارٍ فرضها عليها المجتمع لا الطبيعة ، لكن سؤالي لكِ اليوم: ما الذي دفعكِ لكتابة “الجنس الآخر”؟ ما الشرارة التي فجّرت ثورتك الهادئة؟
سيمون: الغضب من التواطؤ…غضبي من النساء اللواتي قبلن أن يكنّ “الآخر”، ومن الرجال الذين صدّقوا أنهم “الأصل”.
كنت أريد أن أصرخ: “الأنوثة لا تُولد، بل تُصنع… كما يُصنع القيد في عنق عبد لا يعرف أنه عبد.”
قلت : اتهموكِ بأنكِ مزّقتِ الأسرة، أو أنكِ حرّضتِ النساء على التمرّد دون بديل واضح.
سيمون (بحزم): أنا لم أحرّض إلا على الاختيار.الأسرة لا تُمزق حين تُبنى على الشراكة، بل حين تُبنى على الاستعباد.
أردتُ أن تكون المرأة قادرة على أن تقول “نعم” و”لا” بحرية، لا لأنها تعاند، بل لأنها تُفكر.
قلت :هل تظنين أن المرأة اليوم أصبحت حرّة؟
سيمون (وقد نظرت بعيدًا):
ربما حطّمت القيود الظاهرة، لكنها لا تزال تُلاحَق بالأحكام…
حين تنجح، تُقال “قوية بشكل مزعج”…وحين تُحب، تُقال “ضعيفة”…
ما زال الطريق طويلاً، ليس لتحريرها من الرجل، بل من صورته داخلها.
قالت مني من الحالمات:
هل كان جان بول سارتر ظلًّا طاغيًا في حياتك أم شريكًا في الفكر؟
سيمون (تبتسم بنصف ابتسامة):كان مرآة، لا ظلًّا. رأيت فيه القوة التي تناقشني لا تسحقني، والفكر الذي لا يخاف من استقلالي ، لكنني لم أكن تابعته، بل كنت نِدَّه.
قالت حنان : وإذا تحدّثت إليك فتاة عربية اليوم، تخاف من وصمة الاستقلال، وتُربّى على الطاعة لا على الحرية، فبمَ تنصحينها؟
سيمون (بصوت عميق كأنّه موج):
قولي لها:“أنتِ لستِ نصفًا يبحث عن الآخر…أنتِ كاملة، واعية، حُرّة… لا لأنك ضد أحد، بل لأنك مع نفسك.”
قالت سماح : مدام سيمون…. هل تؤمنين أن العالم قد يتغير؟ أم أنه يعيد إنتاج نفس البنية بقوالب جديدة؟
سيمون: العالم لا يتغير بالكلية، لكنه يتصدّع في لحظات صدق ، وأنا كتبت لا لأُسعد الناس، بل لأدفعهم للتفكير…فقط من يفكر، يمكنه أن يختار، ومن يختار، يصبح إنسانًا.
تركتنا سيمون دي بوفوار كما جاءت… بلا ضجيج، لكن بأثر عميق.
لم تكن أنثى فقط، بل إنسانًا يطلب الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
تعلّمنا منها أن الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل وعيًا يُبنى، ومسؤولية تُحمل.
وسأبقى أؤمن، أن الفكر حين يُحرّر امرأة، يُحرّر مجتمعًا بأكمله.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى