
عندما نتحدث عن فكرة الدولة في أصلها الفلسفي، فإنها تقوم على مبدأ بسيط، وهو أن المجتمع ليس تجمعًا عشوائيًّا للبشر، بل كيانًا منظَّمًا يقوم على عقد اجتماعي ضمني، بين الناس وبين من يتولون إدارة شؤونهم.
هذا العقد، الذي تحدث عنه فلاسفة السياسة منذ قرون، يعني أن الشعب يختار مجموعة من أبنائه لتتولى تنظيم الحياة العامة، وفق منظومة من القِيم والرؤى التي تعبر عن إرادة المجتمع وتطلعاته، وتكليف مؤقت يمنحه المجتمع لمن يراه الأصلح والأجدر لإدارة شؤونه.
ومع تطور المجتمعات، ظهرت المؤسسات الحديثة للدولة المعاصرة، وتبلورت فكرة السلطات (التنفيذية لإدارة شؤون الدولة اليومية)، (التشريعية لصياغة القوانين التي تنظم حياة الناس)، (القضائية لضمان العدالة وحماية الحقوق).. منظومة تضمن توازن السلطة ومنع تغول جهة واحدة على حساب المجتمع.
لكن جوهر هذه المنظومة ـ مهما تطورت أشكالها المؤسسية ـ يبقى مرتبطًا بفلسفة أن إدارة الدولة ينبغي أن تكون انعكاسًا لإرادة المجتمع واحتياجاته، فالحكومات ليست كيانات منفصلة عن الناس، بل أدوات لخدمتهم وتنظيم حياتهم بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ التوازن بين الحقوق والواجبات، وبالتالي فإن نجاح أي سلطة تنفيذية يُقاس بمدى قدرتها على ترجمة تطلعات المجتمع إلى سياسات واقعية في كافة المجالات، من صحة وتعليم وخدمات.
لكن التجربة السياسية قد تُظهر أحيانًا انحرافًا تدريجيًّا عن هذا المبدأ، فمع مرور الزمن ربما تنشأ فجوة بين السلطة التنفيذية والمجتمع الذي من المفترض أنها تمثله، فتتحول الإدارة من تنفيذ إرادة الشعب إلى فرض سياسات لا تحظى بالقبول العام أو تراعي أولويات الناس واحتياجاتهم.
لذلك، عندما يحدث هذا التحول، تبدأ معادلة العقد الاجتماعي في الاختلال، لأن الطرف الذي مُنح التفويض لإدارة شؤون المجتمع لم يعد يعمل بالضرورة وفق الإرادة التي منحته الشرعية، وفي هذه اللحظة تحديدًا يبرز مفهوم (قانون الشعب)، بوصفه المعيار الحقيقي لشرعية الحكم.
إذن، العقد الاجتماعي ليس عقدًا أبديًا أو تفويضًا مطلقًا، بل هو اتفاق متجدد يقوم على الرضا العام والثقة المتبادلة، وإذا تآكلت هذه الثقة أو شعر الناس أن السياسات العامة لم تعد تعبر عن مصالحهم أو تراعي ظروفهم، يكون من الطبيعي أن يُعاد النظر في هذا العقد، وأن يبحث المجتمع عن أدوات جديدة لإدارة شؤونه بصورة أكثر توافقًا مع إرادته.
من هنا تأتي أهمية الإصغاء لصوت الناس، خصوصًا في أوقات الأزمات الاقتصادية أو القرارات الصعبة التي تمس حياتهم اليومية، فالسياسات العامة، مهما كانت مبرراتها، لا يمكن أن تنجح إذا تجاهلت أثرها الاجتماعي، أو تعاملت مع ردود فعل المواطنين بوصفها مجرد حالة من البلبلة أو الاعتراض غير المشروع، كما أن وجود شكاوى أو مظالم لدى المواطنين ليس بالضرورة تعبيرًا عن فوضى، بل قد يكون مؤشرًا صحيًّا على حيوية المجتمع ورغبته بالمشاركة في صياغة مستقبله.
لقد أثار قرار الحكومة الأخير بزيادة أسعار الوقود، موجة من القلق بين فئات واسعة من المجتمع، ومن الطبيعي أن يعبر الناس عن مخاوفهم أو اعتراضاتهم أو حتى غضبهم، لأن هذه القرارات تمس بصورة مباشرة تكاليف المعيشة وسلسلة الأسعار في مختلف القطاعات.
لكن التعامل مع تلك المخاوف ينبغي أن يكون عبر الوضوح والشفافية، لا بتحويل المتضررين أو المنتقدين إلى موضع مساءلة قانونية لمجرد التعبير عن رأيهم، فحرية التعبير عن الرأي في السياسات العامة هي جزء أصيل من منظومة الحريات التي يقوم عليها المجتمع.
إن الدولة القوية هي التي تمتلك القدرة على الاستماع للنقد وتحويله إلى فرصة للتصحيح والمراجعة، فالعلاقة بين الدولة والمجتمع ليست صراعًا، بل علاقة تكامل، وكلما اتسعت مساحة الثقة والحوار بين الجانبين، ازدادت قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
منذ عصور الفراعنة وحتى العصر الحديث، ظلت مصر هدفًا لأطماع ومؤامرات خارجية، لكنها كانت دائمًا قادرة على تجاوزها بفضل تماسك مجتمعها، وربما كان سر هذه القدرة يكمن في ذلك الرابط العميق بين الشعب وأرضه، وهو رابط يتجاوز اللحظة السياسية إلى شعور تاريخي بالانتماء والمسؤولية المشتركة.
أخيرًا.. الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تُدار بالقرارات المجردة، بل تُبنى أساسًا على الرضا العام والثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم، والعقد الاجتماعي، الذي يشكّل الأساس الحقيقي لفكرة الدولة، يظل حيًّا ومتجددًا ما دام قائمًا على إرادة الشعب واحترام صوته، ولذلك حين يبقى (قانون الشعب) حاضرًا في إدارة الدولة، تبقى الدولة نفسها أكثر قدرة على الاستمرار ومواجهة التحديات.







