النفط يقفز والأسواق تهبط… كيف هزّت حرب إيران الاقتصاد العالمي؟

عندما أعيد فتح أسواق السلع العالمية مطلع الأسبوع، بدت الأسواق في حالة اضطراب واضح مع استمرار تصاعد الحرب على إيران. فقد قصفت إسرائيل أكثر من 30 مستودعًا للنفط داخل إيران، بينها منشآت في طهران وكرج، في هجمات تجاوزت — وفق تقارير إعلامية — التقديرات التي كانت الولايات المتحدة تتوقعها عند إبلاغها بالضربات مسبقًا.
في المقابل، لوّحت إيران باستهداف منشآت نفطية في دول مجاورة ردًا على الضربات، بينما شهدت منطقة الخليج موجة جديدة من الهجمات، مع تقارير عن استهدافات في الإمارات وقطر والبحرين والكويت. وقد أثار هذا التصعيد مخاوف واسعة لدى المستثمرين بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
النفط يتجاوز 100 دولار للبرميل
قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، قبل أن تتراجع قليلًا لاحقًا. فقد صعد سعر خام برنت إلى نحو 119 دولارًا للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي حوالي 119.48 دولارًا للبرميل.
لاحقًا، تراجع سعر برنت إلى قرابة 105 دولارات للبرميل، وسط توقعات بأن تبحث الدول الصناعية الكبرى استخدام احتياطيات النفط الاستراتيجية لتهدئة الأسواق.
ويرى مراقبون أن الأسواق تأثرت أيضًا بالتطورات السياسية في إيران، إلى جانب التصريحات الأمريكية الأخيرة، وهو ما عزز المخاوف من استمرار الصراع لفترة طويلة.
توترات الطاقة وإغلاق مضيق هرمز
ازدادت المخاوف في أسواق الطاقة بعد تقارير عن تعطّل منشآت طاقة في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالميًا. وقد أدى ذلك إلى اضطرابات في تدفقات الطاقة نحو آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من الشرق الأوسط.
ويعد مضيق هرمز شريانًا رئيسيًا لتصدير النفط إلى الأسواق الآسيوية، حيث تعتمد كوريا الجنوبية واليابان بدرجات كبيرة على النفط القادم عبر هذا الممر البحري الحيوي.
الأسواق الآسيوية تتلقى الضربة الأكبر
انعكست صدمة الطاقة سريعًا على الأسواق المالية في آسيا، حيث تكبدت مؤشرات الأسهم خسائر ملحوظة. فقد انخفض مؤشر نيكاي 225 الياباني بنحو 5.2%، بينما تراجع مؤشر كوسبي في كوريا الجنوبية بنسبة 6.2%.
كما شهدت أسواق أخرى تراجعات متفاوتة، إذ انخفض مؤشر هانج سنج في هونج كونج بنسبة 1.8%، وتراجع مؤشر نيفتي 50 في الهند بنحو 2.5%.
ومنذ اندلاع الحرب قبل نحو تسعة أيام، تكبدت بعض المؤشرات خسائر كبيرة، حيث هبط مؤشر كوسبي بنحو 16%، فيما فقد مؤشر نيكاي حوالي 10% من قيمته، بينما تراجع مؤشر ASX 200 الأسترالي بنحو 6%.
ويرتبط هذا التراجع بشكل مباشر بارتفاع أسعار الطاقة وتعطل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، ما يضغط على الاقتصادات الصناعية الآسيوية التي تعتمد بشدة على واردات الطاقة.
تراجع الأسواق الأوروبية
امتدت موجة القلق إلى الأسواق الأوروبية أيضًا، حيث سجلت البورصات انخفاضات ملحوظة. فقد تراجع مؤشر FTSE 100 في لندن بنحو 1.7% في التعاملات المبكرة، مسجلًا أدنى مستوى له منذ منتصف يناير.
كما انخفض مؤشر داكس الألماني وكاك الفرنسي بنحو 2.4%، بينما تراجع مؤشر Stoxx 600 الأوروبي بنسبة 2%.
وفي سوق العملات، انخفض الجنيه الإسترليني بنحو 0.8% مقابل الدولار الأمريكي ليصل إلى 1.331 دولار، في أكبر تراجع يومي له منذ أكثر من شهر، وسط قلق المستثمرين من تأثير الحرب على الاقتصاد الأوروبي.
الدولار يرتفع مع مخاوف التضخم
في المقابل، استفاد الدولار الأمريكي من حالة عدم اليقين العالمية، حيث ارتفع مؤشر الدولار إلى 99.57، وهو أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر.
ويرى محللون أن الحرب قد تدفع البنوك المركزية — خصوصًا في الولايات المتحدة — إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة بسبب الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.
وفي الولايات المتحدة، تراجعت مؤشرات الأسهم أيضًا ولكن بوتيرة أقل مقارنة بآسيا وأوروبا، حيث انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 1.1%، بينما تراجع مؤشر ناسداك 100 بنسبة 1%.
تحركات غير متوقعة في المعادن والسلع الزراعية
على خلاف المتوقع في أوقات الأزمات، تراجع الذهب بنحو 2% وسط تقلبات الأسواق، كما انخفضت الفضة بنسبة 0.3%، بينما تراجع البلاتين والبلاديوم بنسب متفاوتة.
في المقابل، ارتفعت أسعار بعض المعادن الصناعية والسلع الزراعية، حيث وصل الألومنيوم إلى أعلى مستوى له منذ عام 2022، مسجلًا نحو 3544 دولارًا للطن في بورصة لندن للمعادن.
كما قفزت أسعار بعض السلع الزراعية، إذ ارتفع زيت النخيل الماليزي بنسبة 9%، بينما صعد زيت فول الصويا في شيكاغو إلى أعلى مستوى له منذ عام 2022.
كذلك سجل القمح أعلى مستوى له منذ يونيو 2024، بينما بلغت أسعار الذرة أعلى مستوياتها في نحو عشرة أشهر، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج والنقل.
صراع جيوسياسي يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي
تشير تحركات الأسواق خلال الأيام الماضية إلى أن الحرب في الشرق الأوسط لا تمثل مجرد صراع عسكري، بل حدثًا قد يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية العالمية. فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الممرات البحرية، وتقلب الأسواق المالية، كلها عوامل قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من عدم اليقين خلال الفترة المقبلة.






