
تمرّ في حياة الصحفي وجوه كثيرة؛ بعضها يمرّ كعنوان عابر في أرشيف الذاكرة، وبعضها يبقى كمدينة كاملة لا تغادر القلب. في مهنةٍ تعلّمنا أن الكلمات قد تكون جسورًا، وقد تتحول أحيانًا إلى جراح، يبقى السؤال الأصعب: كيف نتذكر من اختلفنا معهم؟ وكيف نكتب عنهم بعد أن يغيبوا؟
في ذكرى مرور خمسة أعوام على رحيل الكاتب والصحفي الكبير عباس الطرابيلي، يعود إلى ذاكرتي وجهٌ بشوش، وضحكة واسعة، وصوتٌ دمياطي يعرف كيف يحكي عن الحياة كما يعرف كيف يكتب عنها. رحل في 12 مارس 2021، لكن صورته ما تزال حاضرة في ذاكرة جيلٍ كامل من الصحفيين الذين تشكّل وعيهم في زمن كانت فيه الصحافة مدرسة قبل أن تكون مهنة.
وُلد عباس الطرابيلي في 11 يناير 1936 بمحافظة دمياط، المدينة التي تعلّم فيها المصريون مبكرًا كيف يربطون بين الكلمة والعمل، بين الحرفة والكرامة. حمل معه من تلك المدينة شيئًا من روحها: بساطة الناس، وحساب التاجر، وحكمة البحر.
دخل عالم الصحافة من بوابة مدرسة مصطفى أمين وعلي أمين في مؤسسة أخبار اليوم، حيث كانت الصحافة آنذاك ورشة كبيرة يتعلم فيها الصحفي كيف يرى الشارع، لا كيف يكتب عنه فقط. هناك تفتحت موهبته، وتعلّم أن المقال ليس مجرد رأي، بل نافذة يطل منها الناس على حياتهم.
شارك لاحقًا في تأسيس جريدة الاتحاد في الإمارات، ثم عاد إلى القاهرة ليكون من الرعيل الأول لمؤسسي جريدة الوفد. كانت تلك التجربة الصحفية الجديدة بداية زمنٍ مختلف في الصحافة الحزبية المصرية، زمنٍ كان يبحث فيه القلم عن مساحة حرية في ظل واقع سياسي شديد التعقيد.
هناك، في مطلع الثمانينيات، بدأت قصتي معه. كان ذلك عام 1984، عام ولادة تجربة «الوفد» الصحفية. جاء فريقٌ كامل من الصحفيين الكبار مع الأستاذ مصطفى شردي، يضم الراحلين جمال بدوي وجلال عبد الفتاح وعباس الطرابيلي. انضم إليهم لاحقًا محمد عبد القدوس وسعيد عبد الخالق ومجدي مهنا وفؤاد فواز، ثم جاء جيلٌ أصغر تشرفت أن أكون واحدًا منه، ضمّ مجدي سرحان ومحمد الشربيني وعبد النبي عبد الستار وحنان البدري وجمال يونس وغيرهم من شباب الصحفيين الذين تشكّلت تجربتهم في تلك المدرسة الصحفية الفريدة.
كانت غرفة التحرير صغيرة، لكن الحلم كان واسعًا. تعلمنا هناك أن الصحافة ليست مجرد خبر، بل حياة كاملة تُكتب كل صباح. تدرجت في العمل حتى أصبحت رئيسًا للقسم السياسي ثم مديرًا لمركز دراسات الوفد، قبل أن يُسند إليّ موقع مساعد مدير التحرير، وكان مدير التحرير آنذاك الأستاذ عباس الطرابيلي.
كان رجلاً لطيف المعشر، يحب الحياة كما يحب الكتابة عنها. يعشق الطهي والسفر، ويكتب عنهما بروحٍ قريبة من الناس. لم يكن سياسيًا صداميًا مثل مصطفى شردي، ولم يكن مؤرخًا غارقًا في الوثائق مثل جمال بدوي، لكنه كان يملك شيئًا آخر: قلمًا يعرف كيف يلمس حياة الناس اليومية. كان وجهه الأحمر الدمياطي يشع بالحيوية، وضحكته الكبيرة لا تغادر المكان. يعرف ما يشغل الناس: الطعام، والمال، والحياة البسيطة التي تبدو عادية لكنها في الحقيقة جوهر المجتمع.
بيننا نشأت علاقة ودودة استمرت سنوات. علاقة زمالة ومودة لم تعكر صفوها إلا لحظة سياسية صعبة. حين صدر قرار مفاجئ من الدكتور نعمان جمعة (فور توليه رئاسة الحزب) بإقصائي من موقعي في الصحيفة والحزب، بل ومن عضوية الحزب نفسها. كان قرارًا هزّ الوسط الصحفي، واعتبره كثيرون جريمة سياسية بحق التجربة الوفدية. والحقيقه ان من كان وراء هذا القرار باقصائي لافساح المجال لنفسه كان هو من قام لاحقا باقصاء نعمان جمعه نفسه.
في تلك اللحظة المضطربة، كتب عباس الطرابيلي مقالات دفاعًا عن القرار، ووردت فيها اتهامات لم أجد لها أساسًا في الواقع. ربما بتأثير من دوائر كانت تدير المشهد من خلف ستار نعمان جمعة. وصلت الأمور إلى لحظة لم أكن أتمنى أن أصل إليها، فتقدمت ببلاغ إلى النائب العام، وأُحيلت القضية إلى المحكمة، وفي أول جلسة صدر قرار القاضي بإدخال عباس الطرابيلي القفص بين المتهمين.
لا أنسى تلك اللحظة. لم أشعر بالانتصار، بل بالحزن. بدا المشهد كله أكبر من خلاف صحفي. تدخل الصديق والزميل المحامي حسين حلمي للوساطة، وتنازلت فورًا عن الدعوى مقابل اعتذار. لا أذكر الآن إن كان الاعتذار نُشر أم لا، لكن ما أعرفه أن القضية انتهت في الأوراق… وبقي شيء من الأسف في القلب. بقي لدي شعور خفي بالذنب، لأن العلاقات الإنسانية لا تُقاس بنصوص القوانين، بل بما يبقى في الذاكرة.
بعد سنوات، استمر عباس الطرابيلي في الكتابة، وأصبح رئيس تحرير جريدة الوفد في فترات مختلفة، وكتب أعمدة يومية في المصري اليوم والوفد. ترك خلفه عشرات الكتب التي أعادت قراءة تاريخ المدن والشوارع المصرية، مثل «أحياء القاهرة المحروسة» و«شوارع لها تاريخ» و«مائة عام مع إعلام صاحبة الجلالة». كانت تلك الكتب محاولة لإعادة اكتشاف الذاكرة المصرية، لا من خلال الأحداث الكبرى فقط، بل من خلال التفاصيل الصغيرة التي تصنع روح المكان.
في 12 مارس 2021، غادر عباس الطرابيلي الدنيا عن عمر يناهز خمسةً وثمانين عامًا. رحل بهدوء يشبه طريقته في الحياة والكتابة. يومها شعرت بحزن مضاعف: حزن الفقد، وحزن الكلمات التي لم تُقل. لم أتمكن من الاعتذار له، ولم أشارك في جنازته.
بعض الوجوه نختلف معها في الحياة، لكننا نكتشف بعد الرحيل أن الذاكرة لا تحفظ الخلافات بقدر ما تحفظ الملامح الإنسانية. هكذا يبقى عباس الطرابيلي واحدًا من الوجوه التي لا تغيب؛ لأن الصحافة ليست فقط ما يُكتب في الصفحات، بل ما يبقى من البشر بعد أن تُطوى الصفحات… وتبقى الوجوه.





