
وسط هدير الصواريخ وتبادل الضربات في الإقليم الممتد من إيران إلى لبنان، تبدو الصورة للوهلة الأولى صورة حرب مفتوحة بلا أفق. غير أن القراءة الاستراتيجية العميقة تشير إلى مسار آخر يتشكل في الخلفية: انتقال تدريجي من الحرب إلى التفاوض، على خطين متوازيين، الأول بين واشنطن وطهران، والثاني بين لبنان وإسرائيل.
لكن المسألة في لبنان لا تختصر بقرار سياسي للدولة، بل ترتبط بعقدة مركزية هي الضاحية الجنوبية لبيروت، بوصفها مركز القرار السياسي والعسكري لـحزب الله، والعقدة التي تدور حولها الحسابات الإسرائيلية والإقليمية في آن واحد.
الضاحية: مركز الثقل الحقيقي
في الحسابات الإسرائيلية، لا تمثل الحدود الجنوبية الهدف الحقيقي للحرب. فالجبهة الممتدة على طول الحدود ليست سوى ساحة استنزاف. أما الهدف الاستراتيجي فيبقى الضاحية الجنوبية، التي تُعد في نظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية “العصب المركزي” للبنية القيادية واللوجستية للحزب.
هذا الفهم ليس جديدًا. فقد ظهرت معالمه منذ حرب حرب لبنان 2006، عندما تبنت إسرائيل ما عُرف لاحقًا في الأدبيات العسكرية بـ”عقيدة الضاحية”، وهي نظرية تقوم على ضرب البنية الحاضنة للحزب عبر استهداف مناطق نفوذه الحيوية لإضعاف قدرته على الاستمرار في الحرب.
اليوم، تعود هذه المقاربة إلى الواجهة ولكن في سياق أكثر تعقيدًا. فإسرائيل بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحاول إعادة إنتاج معادلة الردع عبر توجيه رسائل واضحة: أن الضاحية لم تعد منطقة محصنة سياسياً أو عسكرياً.
الحرب كأداة تفاوض
في القراءة الاستخباراتية للحرب الدائرة، يبدو أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لا تهدف فقط إلى إضعاف الحزب عسكريًا، بل إلى خلق بيئة سياسية تسمح بفرض شروط تفاوضية جديدة.
حين تتحدث إسرائيل عن “تعاظم قدرات حزب الله” أو عن مفاجأتها بحجم ترسانته الصاروخية، فإن الخطاب موجّه أساسًا إلى المجتمع الدولي. فكلما بدا الحزب كقوة عسكرية ضخمة، أصبح استخدام القوة الإسرائيلية أكثر قابلية للتبرير دوليًا.
المنطق ذاته استخدمته إسرائيل في حربها ضد حماس في غزة، حيث جرى تصوير الحركة ككيان عسكري شبه دولتي لتبرير العمليات الواسعة.
حسابات حزب الله
في المقابل، يدرك حزب الله أن الحرب الحالية تختلف عن كل المواجهات السابقة. فالمعادلة لم تعد محصورة بالجبهة اللبنانية، بل أصبحت جزءًا من صراع إقليمي تقوده إيران.
تشير معطيات ميدانية إلى أن القرار العسكري داخل الحزب بات أكثر ارتباطًا بالتنسيق المباشر مع الحرس الثوري الإيراني، ما يجعل المواجهة اللبنانية جزءًا من شبكة عمليات أوسع تمتد عبر عدة جبهات.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة. فالحزب يواجه اليوم ضغطين متوازيين:
الأول عسكري من إسرائيل التي تسعى إلى استنزاف قدراته تدريجيًا.
والثاني اجتماعي داخل بيئته الحاضنة التي تحملت العبء الأكبر من الحرب والدمار.
فالضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع تمثل العمق الشعبي للحزب، وأي تدمير واسع فيها قد يتحول مع الوقت إلى عامل ضغط سياسي واجتماعي داخلي.
الدولة اللبنانية ومسار التفاوض
في هذا السياق، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تحاول فتح نافذة سياسية قبل أن تتفاقم الكلفة أكثر.
الرئيس جوزيف عون يدرك، بحكم خلفيته العسكرية، أن ميزان القوى التقليدي لا يسمح للبنان بخوض حرب طويلة مع إسرائيل. ولذلك بدأ التفكير في مسار تفاوضي يقوم على تثبيت هدنة طويلة وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
هذا المسار يحظى بدعم ضمني من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، وإن كان بري يفضّل البقاء بعيدًا عن الواجهة السياسية لهذا الخيار.
الحسابات الإقليمية
لكن مستقبل هذا المسار لا يتوقف على لبنان وحده. فالمعادلة مرتبطة إلى حد كبير بالتوازنات الإقليمية، خصوصًا مع احتمال عودة المفاوضات بين واشنطن وطهران.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدأ بالفعل إرسال إشارات حول إمكان استئناف التفاوض مع إيران بعد مرحلة التصعيد.
وفي حال تحقق ذلك، قد يصبح لبنان أحد ملفات التسوية الإقليمية، حيث يمكن استخدام جبهة حزب الله كورقة تفاوض بين طهران وواشنطن.
الضاحية بين الحرب والتسوية
هنا تحديدًا تتضح أهمية الضاحية الجنوبية. فهي ليست مجرد حي في بيروت، بل تمثل مركزًا رمزيًا وسياسيًا للحزب، وفي الوقت نفسه نقطة ضغط استراتيجية في أي معادلة تفاوضية.
إسرائيل ترى في ضرب الضاحية وسيلة لفرض شروطها.
وإيران ترى في صمودها ورقة قوة في التفاوض.
أما الدولة اللبنانية فترى في استقرارها شرطًا لمنع انهيار الدولة بالكامل.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن الحرب الحالية قد لا تكون سوى مرحلة انتقالية بين نظام إقليمي قديم ونظام جديد قيد التشكل.
الضاحية الجنوبية تقف اليوم في قلب هذا التحول:
فإما أن تتحول إلى ساحة استنزاف طويلة تعيد لبنان إلى سنوات الدمار،
أو تصبح نقطة الانطلاق نحو تسوية إقليمية أوسع تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
لكن الحقيقة الأكثر وضوحًا هي أن القرار النهائي لن يُحسم في بيروت وحدها، بل في تقاطع المصالح بين تل أبيب وطهران وواشنطن.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، ستتحدد وظيفة الضاحية في المعادلة المقبلة:
هل تبقى قاعدة صراع مفتوح، أم تتحول إلى عنوان مرحلة سياسية جديدة في لبنان والمنطقة.







