شباك نورملفات وتقارير

د. أيمن نور يكتب: رؤيتنا السياسية: دولة القدرة

فكرة الدولة القادرة ليست شعارًا إنشائيا ، بل رؤية تعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع.
في تاريخ مصر الحديث تعاقبت تصوّرات عديدة للدولة: دولة الحارس، ودولة الموجّه، ودولة الراعي.
غير أن القرن الحادي والعشرين يفرض تصورًا مختلفًا؛ تصورًا يجعل قدرة المجتمع نفسها هي المصدر الحقيقي لقوة الدولة.

في إطار مشروع «رؤيتنا السياسية» تناولنا من قبل دولة المؤسسات، ودولة الثقة، ودولة التمكين، ودولة التوازن، ودولة الكفاءة، ودولة المعرفة، ودولة المشاركة.
غير أن هذه المفاهيم جميعًا تلتقي عند نقطة مركزية واحدة: قدرة الدولة على تحويل إمكانات المجتمع إلى طاقة منتجة. ومن هنا يظهر مفهوم «دولة القدرة» باعتباره الحلقة التي تجمع تلك المفاهيم في إطار واحد.

دولة القدرة ليست دولة أكثر سلطة، بل دولة أكثر كفاءة في تحرير الطاقات.
الفارق بين الدولة القادرة والدولة العجز، يشبه الفارق بين من يفتح الأبواب، ومن يقف حارسًا لها. الدولة الأولى:
تُطلق الإمكانات،
والثانية:
تُثقلها بالإجراءات والقيود.

التجربة العالمية تقدّم أمثلة واضحة على هذا التحول.
فالدول التي استطاعت خلال العقود الثلاثة الماضية تحقيق قفزات اقتصادية كبرى — مثل كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو إستونيا — لم تفعل ذلك عبر تضخم الدولة، بل عبر جعلها منصة لإطلاق طاقات المجتمع. في كوريا الجنوبية، مثلًا، ارتفع الناتج المحلي من أقل من 100 مليار دولار في ثمانينيات القرن الماضي إلى أكثر من 1.7 تريليون دولار اليوم، نتيجة سياسات ركزت على التعليم والابتكار وحرية المبادرة الاقتصادية.

مصر تمتلك مقومات مماثلة من حيث الحجم السكاني والموقع الجغرافي والموارد البشرية.
يتجاوز عدد سكانها اليوم 105 ملايين نسمة، يشكل الشباب دون الخامسة والثلاثين أكثر من 60٪ منهم. هذه الكتلة البشرية الهائلة يمكن أن تكون عبئًا في دولة بيروقراطية، لكنها تتحول إلى فرصة تاريخية في دولة القدرة.

التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد بقدر ما يكمن في طريقة إدارتها.
فالدولة المصرية تدير اقتصادًا يتجاوز حجمه 400 مليار دولار، لكنها لا تزال تواجه فجوة في إنتاجية العمل وفي معدل خلق فرص العمل. تشير بيانات البنك الدولي إلى أن متوسط نمو الإنتاجية في المنطقة العربية أقل من 1٪ سنويًا، وهو رقم يعكس محدودية قدرة السياسات العامة على تحويل الموارد إلى قيمة مضافة.

هنا يظهر جوهر فكرة دولة القدرة.
الدولة القادرة لا تقيس نجاحها بعدد القوانين التي تصدرها، بل بعدد الفرص التي تخلقها. لا تقاس قوتها بحجم الجهاز الإداري، بل بقدرة هذا الجهاز على تسهيل حياة الناس. فالإدارة العامة في كثير من الدول النامية تحولت عبر الزمن إلى شبكة من الإجراءات المتراكمة، بينما تحتاج الدولة الحديثة إلى إدارة تمكينية تسهّل النشاط الاقتصادي وتسرّع اتخاذ القرار.

في مصر، يضم الجهاز الإداري للدولة أكثر من خمسة ملايين موظف.
هذا الرقم الضخم يعكس حجم الدولة التاريخي، لكنه يطرح سؤال الكفاءة. فالدولة القادرة لا تعني دولة أصغر بالضرورة، بل دولة أكثر مرونة وقدرة على التحول من منطق السيطرة إلى منطق الخدمة.

السياسات الاقتصادية تمثل محورًا أساسيًا في هذا التحول.
الاقتصاد ليس مجرد أرقام في موازنة الدولة، بل شبكة معقدة من العلاقات الإنتاجية التي يشارك فيها ملايين المواطنين. وعندما تتحول السياسات الاقتصادية إلى أدوات لإدارة العجز فقط، تتراجع قدرة الاقتصاد على النمو الحقيقي. أما عندما تصبح السياسات الاقتصادية أداة لتحفيز الإنتاج والابتكار، تبدأ دورة جديدة من التوسع.

تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن الاقتصاد الرقمي وحده يمكن أن يضيف ما يقارب 7٪ إلى الناتج المحلي للدول النامية خلال العقد القادم.
هذه النسبة تعكس أهمية الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا بوصفهما رافعتين أساسيتين لقدرة المجتمع.

دولة القدرة تنظر إلى المواطن بوصفه شريكًا في الإنتاج، لا مجرد متلقٍ للخدمات.
فكل مواطن يحمل طاقة إنتاجية محتملة، سواء في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات أو الاقتصاد الرقمي. والسياسة العامة الناجحة هي تلك التي تستطيع تحويل هذه الإمكانات الفردية إلى قوة اقتصادية جماعية.

العلاقة بين الدولة والمجتمع تشكل قلب هذه المعادلة.
الدولة التي تثق في مجتمعها تسمح له بالمبادرة، والمجتمع الذي يثق في دولته يشارك في بناء الاقتصاد. هذه العلاقة التبادلية هي ما يسميه الفكر السياسي الحديث العقد الاجتماعي الإنتاجي؛ حيث يصبح النمو الاقتصادي نتيجة مباشرة للتعاون بين المؤسسات والمجتمع.

التجارب الدولية تثبت أن الاقتصاد الحر القائم على المنافسة العادلة لا يتعارض مع العدالة الاجتماعية.
بل على العكس، فإن الدول التي نجحت في الجمع بين السوق المفتوحة والسياسات الاجتماعية المتوازنة استطاعت تحقيق معدلات نمو أعلى واستقرار اجتماعي أطول.

في هذا السياق يصبح مفهوم القدرة المؤسسية جزءًا لا يتجزأ من مفهوم القدرة الاقتصادية.
فالدولة التي تمتلك مؤسسات مستقلة وقادرة على اتخاذ القرار تصبح أكثر قدرة على التخطيط طويل الأمد. المؤسسات المستقرة تمنح الاقتصاد الثقة، والثقة هي العملة غير المرئية التي يقوم عليها الاستثمار.

مصر تقف اليوم أمام لحظة تاريخية يمكن أن تعيد تعريف دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع.
فالتحولات الإقليمية والدولية، وتغير طبيعة الاقتصاد العالمي، وظهور الاقتصاد الرقمي، كلها عوامل تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التطور.

غير أن الانتقال إلى دولة القدرة لا يحدث تلقائيًا.
إنه يتطلب رؤية سياسية واضحة تعيد ترتيب أولويات الدولة. رؤية تجعل بناء الإنسان في قلب المشروع الوطني، وتجعل المعرفة والابتكار محورًا للسياسات العامة.

الطريق إلى المستقبل الممكن لا يبدأ من الأجهزة الحكومية وحدها، بل من العلاقة الحيوية بين الدولة والمجتمع.
حين تتسع هذه العلاقة لتشمل الثقة والحرية والمشاركة، تتحول الدولة إلى منصة للنمو بدلاً من أن تبقى إطارًا لإدارة الأزمات.

مصر ليست دولة فقيرة بالموارد أو بالمواهب.
تاريخها الحديث مليء بلحظات استطاعت فيها تحويل التحديات إلى فرص. غير أن اللحظة الراهنة تتطلب انتقالًا واعيًا من منطق إدارة الواقع إلى منطق صناعة المستقبل.

فالدول التي تصنع المستقبل ليست تلك التي تنشغل بإدارة أزماتها اليومية، بل تلك التي تمتلك الجرأة على بناء قدرتها المؤسسية والاقتصادية معًا.

مقترحات عملية في إطار رؤية «دولة القدرة»

1. إطلاق برنامج وطني شامل لرفع إنتاجية الاقتصاد، يربط بين التعليم وسوق العمل ويستهدف مضاعفة إنتاجية العمل خلال عشر سنوات.

2. التحول الكامل إلى الإدارة الرقمية في الخدمات الحكومية، بما يقلل البيروقراطية ويزيد كفاءة الجهاز الإداري.

3. إنشاء صندوق وطني لدعم الابتكار وريادة الأعمال، يمول المشاريع التكنولوجية الناشئة ويعزز الاقتصاد الرقمي.

4. تطوير منظومة التعليم التقني والمهني لتخريج كوادر قادرة على تلبية احتياجات الاقتصاد الصناعي الحديث.

5. توسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مشروعات البنية التحتية والإنتاج، بما يخفف العبء المالي عن الدولة ويعزز الكفاءة الاقتصادية.

6. اعتماد سياسات اقتصادية تحفز الإنتاج المحلي والصادرات بدلاً من الاقتصار على إدارة الاستهلاك.

7. تعزيز استقلال المؤسسات الاقتصادية والرقابية لضمان الشفافية وبناء الثقة في بيئة الاستثمار.

8. إطلاق استراتيجية وطنية لبناء اقتصاد

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى