شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: رسالة من أردوغان

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان:
« _ليس لدينا دين اسمه سنّة أو شيعة، بل لدينا دين واحد فقط هو الإسلام. سيدنا علي منا ولنا، وسيدنا عمر منا ولنا، وسيدنا عثمان منا ولنا، وسيدنا الحسن والحسين منا ولنا، وأمنا السيدة عائشة منا ولنا، وأمنا السيدة زينب منا ولنا».

عبارة قصيرة في ظاهرها، لكنها في عمقها أشبه بنداء يخرج من ذاكرة التاريخ الإسلامي نفسها. كلمات لا تُقرأ بوصفها تصريحًا سياسيًا عابرًا، بل رسالة موجهة إلى وجدان أمةٍ أنهكتها الانقسامات، ورسالة إلى زمنٍ يتكاثر فيه صانعو الفتنة أكثر مما يتكاثر دعاة الحكمة.

المشهد السياسي في الإقليم لا يمكن فهمه بعيدًا عن تلك الكلمات. صراع طويل جرى العمل فيه على زرع لغْمٍ فكري في قلب الأمة؛ لغْمٍ يقوم على تحويل الاختلافات التاريخية إلى جدران فاصلة، وعلى تحويل التنوع الفقهي إلى هويةٍ متصارعة. مشروع كامل بُني على فكرة أن المسلمين يمكن تفكيكهم إلى معسكرات متقابلة تحمل أسماء الطوائف بدل أسماء الأمة.

ذلك اللغم لم يكن دينيًا في أصله، بل سياسيًا في جوهره. أطراف عديدة وجدت في الانقسام المذهبي فرصة لتفتيت المجال الإسلامي الواسع إلى خرائط صغيرة من الريبة والشكوك المتبادلة. إسرائيل أدركت مبكرًا أن أخطر ما يمكن أن تواجهه هو أمة متماسكة، فكان الاستثمار في تغذية هذا الانقسام أحد المسارات التي جرى العمل عليها لسنوات طويلة.

بصيرة سياسية خبرت تعقيدات المنطقة لعقود تدرك أن المعركة الكبرى لا تبدأ بالرصاص، بل بالأفكار التي تُزرع في العقول. إدراك كهذا يفسّر لماذا جاءت كلمات أردوغان بهذه الصيغة الواضحة، صيغة تستعيد أسماءً يسكنها وجدان المسلمين جميعًا: علي وعمر وعثمان والحسن والحسين، ومعهم عائشة وزينب. أسماء ليست شظايا في ذاكرة متكسرة، بل نجوم في سماء واحدة.

الحروب، مهما اشتدت، تنتهي. هدير المدافع يخبو، وغبار المعارك يهدأ، ثم تبدأ مرحلة ترميم الخراب. غير أن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس الدمار في الأرض، بل الشقوق التي تُترك في النفوس. إزالة آثار العدوان العسكري يمكن أن تتم خلال سنوات، أما إزالة آثار الانقسام في الوعي فربما تحتاج إلى أجيال.

الإيمان الحقيقي لا يخاف الاختلاف، بل يدرك أنه أحد أسرار الخلق. فالقرآن نفسه يقرر هذه الحقيقة بوضوح: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة ولا يزالون مختلفين﴾. تلك الآية لا تقدّم الاختلاف بوصفه خطيئة، بل بوصفه جزءًا من سنن الحياة التي تدفع الإنسان إلى التفكير والاجتهاد.

تاريخ المسلمين يشهد أن لحظات الازدهار الحضاري كانت دائمًا لحظات اتساع في الفكر. مدارس الفقه الكبرى نشأت من اختلافات عميقة في الاجتهاد، لكنها لم تتحول يومًا إلى حدود تفصل بين المسلمين، بل بقيت جسورًا في فضاء معرفي واحد.

أزمنة الضعف وحدها هي التي تجعل الاختلاف سلاحًا. أما الأزمنة التي يعلو فيها صوت الحكمة فتجعل التنوع مصدر ثراء لا سبب صراع. لهذا تبدو الرسالة التي حملتها كلمات أردوغان أقرب إلى تذكير ضروري بحقيقة قديمة حاولت الصراعات المعاصرة أن تطمسها.

الإسلام ليس خريطة للطوائف، بل أفق للأمة. دين يسع ذاكرته كلها، ويحتفظ بكل وجوه تاريخه في قلب واحد. أمة تدرك هذه الحقيقة تستطيع أن تواجه أعداءها بثقة، أما أمة تنشغل بتمزيق نفسها فلن تحتاج إلى من يهزمها.

كلمات أردوغان بدت كأنها رسالة هادئة لكنها عميقة. رسالة تقول إن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة ليس العدوان الخارجي، بل نجاح اللغم المزروع في داخلها. فإذا أُطفئ ذلك اللغم عادت الأمة إلى حقيقتها الأولى… أمةً واحدة، وقلبًا واحدًا، وسماءً واحدة تتسع للجميع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى