
تمهيد:
في لحظةٍ تتصاعد فيها المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتتزامن مع استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وتوسع الاستيطان، تجد الأمة العربية نفسها أمام مفترق طرق خطير.
والخطورة لا تكمن في الحرب ذاتها فحسب، ولا في تداعياتها المدمرة اقتصادياً وأمنياً، بل في الخيارات التي تُطلب من الجماهير العربية – كالعادة – إذ يدعوهم البعض إلى أن يختاروا بين معسكرين كلاهما يناقض مصالحهم ويهدد وجودهم.
فهناك من يدعو إلى الوقوف في صف إيران لأنها تقاوم أمريكا وإسرائيل وترعى محور الممانعة في عدد من الدول، كحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وعدد من حركات المقاومة الفلسطينية. ويصف ما يحدث من هجمات إيرانية غير مبررة على دول الخليج بأنها تفصيلة ثانوية لا يجب الالتفات إليها، بل يزيد بعضهم فيرجع الهجمات إلى سماح دول الخليج بوجود قواعد أمريكية على أراضيها، مما يعطي إيران ذريعة موضوعية للقيام بتلك الهجمات. وكأن إيران كانت تحتاج إلى ذرائع عندما مهدت وساعدت عبر أجهزة مخابراتها لغزو أمريكا للعراق، وكانت تحتاج إلى ذريعة لكي تزرع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد في لبنان عبر زراعة جسم تابع لولاية الفقيه ويدين بالولاء لها ويأتمر بأمرها، ومحاولاتها خطف المنطقة العربية عبر زرع وكلائها في عدد كبير منها في العراق ولبنان وفلسطين، وما خفي كان أعظم.
إن محاولات دفع المواطن العربي، والمصري بخاصة، للاختيار بين هذين المشروعين – من وجهة نظري – فخ نصبه البعض ليبعدنا عن النظر بكثير من العقل والحكمة إلى خطورة المشروعين (كليهما) على مستقبل الأمة ومستقبل أبنائها، باعتبارهما مشروعين توسعيين استعماريين يسعيان إلى ابتلاع مقدرات الأمة العربية، ويعيشان على قاعدة ضعف الأمة وتفككها، ويتغذيان على بعضهما البعض؛ فوجود الأول شرط لوجود الثاني، والعكس صحيح.
كلاهما يدعونا لأن ندفع ثمن حرب ليست حربنا، وأن نخدم أجندة ليست أجندتنا.
هذه القراءة ترفض تلك المعادلة من أساسها. فنحن لسنا مضطرين للاختيار بين هذين المشروعين، لأن لدينا مشروعنا الخاص: مشروع الدولة الوطنية.
وقبل أن أخوض في تفاصيل هذه الرؤية/القراءة؛ أود أن أفصل قليلاً في رؤيتي للحرب وأطرافها بشكل عام:
الموقف من الحرب:
قبل أن أدخل في صلب هذه القراءة المهمة، لا بد أن أقرر بوضوح لا يقبل التأويل أنني أرفض الحرب الأمريكية على إيران. أرفضها لأن الحرب ليست أداة مشروعة لحل النزاعات بين الدول. وأرفضها لأن تدمير دولة إقليمية بقرار أحادي أمريكي يخلق فوضى تدفع المنطقة كلها ثمنها. وأرفضها لأن تجارب العراق وأفغانستان وليبيا أثبتت أن الحروب الأمريكية في المنطقة لا تصنع استقراراً بل تصنع خراباً.
لكن – وهنا بيت القصيد – رفضي للحرب على إيران لا يعني قبولي بالمشروع الإيراني في المنطقة العربية. هناك فرق جوهري بين أن ترفض تدمير بلد، وبين أن تقبل بأن يخترق هذا البلد بلدانك العربية من الداخل ويعيث فيها فساداً وفرقة. وأنا هنا أرفض الأمرين معاً.
هذا التمييز ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. لأن كثيرين يحاولون أن يضعونا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تبارك الحرب على إيران، وإما أن تصمت عن كل ما فعلته إيران في المنطقة، وما أحدثه اعتداؤها السافر على إخواننا في الخليج دون أي مبرر موضوعي. وأنا أرفض هذا الابتزاز.
التشخيص:
تواجه المنطقة العربية اليوم ثلاثة مشروعات متصارعة:
المشروع الأول هو المشروع الإيراني التوسعي (الصفوي الجديد)؛ وهذا التوصيف ليس توصيفاً مذهبياً ولا يحمل أي نوع من أنواع العداء لإخوتنا من الشيعة، إنما هو توصيف تاريخي دقيق لمشروع سياسي محدد. فالدولة الصفوية في القرن السادس عشر هي التي فرضت التشيع على إيران بالقوة واستخدمت المذهب أداةً لبناء هوية إمبراطورية في مواجهة الدولة العثمانية. والنظام الإيراني الحالي يستنسخ هذا النموذج بحذافيره: يوظف المذهب أداةً سياسية، ويبني شبكات ولاء عابرة للحدود، ويزرع وكلاء مسلحين داخل الدول العربية لخدمة مشروعه الإمبراطوري.
أنا لا أتحدث عن الشيعة كطائفة؛ الشيعة العرب مواطنون وإخوة لنا في بلدانهم، لهم حقوق كاملة مثلهم مثل إخوانهم من العرب السنة، والأغلبية منهم يرفضون المشروع الإيراني رفضاً قاطعاً. أنا هنا أتحدث عن نظام سياسي في طهران يستغل طائفة بأكملها ويوظفها وقوداً لمشروع هيمنة لا علاقة له بالإسلام ولا بمصالح الشيعة أنفسهم.
هذا المشروع اخترق لبنان عبر حزب الله الذي حوّل لبنان من دولة إلى رهينة، واخترق العراق عبر ميليشيات مسلحة صارت أقوى من الدولة العراقية نفسها، واخترق اليمن عبر الحوثيين الذين حوّلوا اليمن إلى منصة صواريخ إيرانية، وحاول اختراق البحرين والكويت وغيرهما.
والأخطر من ذلك أن هذا المشروع كان، في لحظات حاسمة، خنجراً في خاصرة الأمة العربية؛ فإيران سهّلت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وتعاونت مع واشنطن في إسقاط نظام طالبان في أفغانستان. يعني أن من يرفع شعار “الموت لأمريكا” كان شريكاً لأمريكا في أخطر عمليتين عسكريتين ضربتا المنطقة في العقود الأخيرة.
وقد ظهر الوجه الحقيقي لهذا المشروع في الأزمة الأخيرة، حين اتخذت إيران منطقة الخليج العربي رهينة، ووجهت صواريخها وهجماتها إلى دول عربية بأضعاف ما وجهته إلى إسرائيل، وهذا يكشف أن القضية الفلسطينية عند هذا النظام ليست قضية وطن مغتصب، بل غطاء لمشروع نفوذ إقليمي.
المشروع الصهيوني:
وفي المقابل، هناك المشروع الصهيوني الذي احتل فلسطين وشرّد شعبها، واحتل الجولان السوري، واحتل أجزاءً من لبنان، ويتطلع إلى مشروع “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات. هذا مشروع استعماري استيطاني عنصري قائم على الإحلال والتطهير العرقي وفرض الأمر الواقع بالقوة.
والخطأ الذي يقع فيه بعض المحللين هو الظن بأن المشروع الإسرائيلي أقل خطورة لأنه ببساطة “يعوم على بحيرة من العداء العربي”، وليس لديه حاضنة شعبية في المنطقة كما لدى إيران. وهذا تحليل يبدو منطقياً، لكنه يتجاهل حقيقة جوهرية: إسرائيل لا تحتاج حاضنة شعبية لأنها لا تعمل بأدوات الحاضنة الشعبية أصلاً.
إسرائيل تتمدد بأدوات مختلفة تماماً: عبر التفوق العسكري الساحق، والتحالف العضوي مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاختراق الاستخباراتي العميق، والتطبيع الاقتصادي والسياسي، وتجزئة القضايا العربية، وتفكيك الإرادة الجماعية العربية. إسرائيل لا تحتاج أن يحبها العرب لكي تتمدد، بل تتمدد رغم كراهيتهم لها، وهذا في حد ذاته يجعلها خطراً من نوع مختلف.
لذا أقول بوضوح: إسرائيل خطر حاضر ودائم وتاريخي. فمن يرى ما يحدث في غزة اليوم من قتل وتشريد، وما يحدث في الضفة الغربية من استيطان يومي، وما يحدث في القدس من تهويد منهجي، يدرك حجم الخطر الحقيقي لهذا المشروع.
الفرق الجوهري بين المشروعين:
السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: أيهما أخطر؟ هذا السؤال نفسه فخ يجب تجنبه؛ لأن المشروعين لا يعملان بمعزل عن بعضهما البعض، بل يغذي كل منهما الآخر بشكل عضوي.
إيران ملأت فراغاً تركه العجز العربي أمام إسرائيل؛ حزب الله لم ينشأ في فراغ، بل نشأ من رحم الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982. الحوثيون لم يتمددوا في فراغ، بل في ظل انهيار الدولة اليمنية. الميليشيات العراقية لم تتضخم في فراغ، بل بعد أن دمرت أمريكا الدولة الوطنية في العراق.
في كل مرة تنهار فيها دولة عربية أو تُضرب، يدخل المشروع الإيراني من الباب الخلفي.
وفي المقابل، إيران تستخدم وجود إسرائيل ذريعة لتبرير تمددها، تقول للعرب: أنا أقاوم إسرائيل نيابة عنكم، فاسمحوا لي أن أبني قواعد في بلادكم. وهذا نوع من الابتزاز بعيد عن أي صورة من صور المقاومة.
المشروعان يتكاملان كمشروعات تدمير للمنطقة العربية، حتى وهما يتصارعان. ومواجهة أحدهما دون الآخر لا تحل المشكلة بل تعمقها؛ من يواجه إيران فقط يترك الباب مفتوحاً لإسرائيل، ومن يواجه إسرائيل فقط يترك الباب مفتوحاً لإيران.
لكن من الضروري أن نفرّق بين طبيعة الخطرين كي نفهم كيف نواجه كلاً منهما:
المشروع الإيراني يعمل من الداخل؛ يخترق بنية الدولة الوطنية عبر الوكلاء والميليشيات والشبكات المذهبية، يفتت المجتمعات ويبني دولاً موازية داخل الدولة. لديه حاضنة يستغلها ممثلة في الطوائف الشيعية في بعض البلدان العربية، وهذا يجعل مواجهته تتطلب أدوات سياسية واجتماعية وثقافية دقيقة، لا مجرد قوة عسكرية.
أما المشروع الإسرائيلي فيعمل من الأعلى؛ يفرض نفسه بالقوة العسكرية والتفوق التكنولوجي والدعم الأمريكي، ولا يحتاج حاضنة شعبية لأنه يعتمد على ميزان القوى لا على ميزان القلوب. وهذا يجعل مواجهته تتطلب بناء قوة عربية حقيقية: عسكرية واقتصادية وتكنولوجية وسياسية.
الخلاصة: لا أحد منهما “أخطر” من الآخر بالمطلق؛ كلاهما خطر وجودي على الأمة العربية، لكنهما يعملان بآليات مختلفة ويتطلبان مواجهات مختلفة.
المشروع الثالث: مشروع الدولة الوطنية
أمام هذين المشروعين التوسعيين، لا يملك العرب ترف الحياد ولا ترف الانكفاء الفردي كل دولة على نفسها. واجب اللحظة – بعد ما حدث في هذه الحرب التي لن تكون الأخيرة لتعديل وجه هذه المنطقة – هو بناء مشروعهم الخاص: مشروع الدولة الوطنية.
ماذا يعني مشروع الدولة الوطنية؟
يعني أولاً: السيادة
أن تكون الدولة العربية سيدة قرارها، لا ساحة لصراعات الآخرين؛ لا طهران تقرر من يحكم بغداد، ولا واشنطن تقرر من يحكم دمشق، ولا تل أبيب تقرر حدود فلسطين.
يعني ثانياً: التعاون
أن تبني الدول العربية منظومة تعاون حقيقية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل؛ وحدة عربية لا تقوم على الشعارات بل على المشاريع المشتركة في الطاقة والغذاء والتكنولوجيا والأمن.
ويعني ثالثاً: بناء القوة الذاتية
لأن المنطقة التي لا تملك قوتها ستبقى ساحة لفرض قوة الآخرين، وبناء القوة يبدأ من بناء الدولة لا من بناء الميليشيات.
ويعني رابعاً: التنمية
أن يكون الهدف الأول للدولة هو بناء الإنسان العربي: تعليمه وتطبيبه وتشغيله وتمكينه. لأن الدولة القوية ليست الدولة التي تملك صواريخ فقط، بل الدولة التي تملك اقتصاداً قوياً ومجتمعاً متماسكاً ومواطنين أحراراً.
ويعني خامساً: عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى
أن تحترم الدولة العربية سيادة جيرانها كما تطالبهم باحترام سيادتها؛ فلا تصدّر ميليشيات، ولا تزرع وكلاء، ولا تفتعل فتنًا طائفية.
مشروع جامع:
هذا المشروع ليس حكراً على دولة واحدة، بل هو مشروع عربي جامع يمكن لكل دولة عربية أن تتبناه وتسهم فيه. لكن مصر – بتجربتها التاريخية الطويلة في بناء الدولة، وموقعها الجغرافي المحوري، وثقلها السكاني والثقافي، واعتدالها السياسي – مؤهلة لأن تكون ركيزة أساسية لهذا المشروع؛ لا بمعنى أن مصر تقود الجميع، بل بمعنى أن التجربة المصرية في الحفاظ على الدولة الوطنية يمكن أن تكون نموذجاً ملهماً لدول المنطقة.
مصر لم تسمح لجماعات الإسلام السياسي بخطف الدولة، ولم تسمح للميليشيات بأن تحل محل الجيش، ولم تسقط في الفوضى رغم كل الضغوط. وهذا في حد ذاته درس بليغ لمن يريد أن يفهم الفرق بين الدولة والميليشيا.
خاتمة:
هذه القراءة ليست مجرد تحليل سياسي؛ إنما هي موقف. موقف يقول إن العرب ليسوا مجبرين على الاختيار بين مشروعين استعماريين توسعيين، وليسوا مجبرين أن يكونوا وقوداً في حرب غيرهم أو ساحة لمشروعات الآخرين.
قراءة تؤكد أن مشروع الدولة الوطنية والتعاون العربي الشامل هو الرد الوحيد على كل من يحاول جر المنطقة إلى مشروعاته الخاصة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس:
مع من نقف؟
بل:
ماذا يجب علينا أن نبني؟







