الدكتور أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب – أحمد عبود باشا.. رجل السكر… ابن أسوان في ذكراه الـ 63

وجوه لا تغيب – أحمد عبود باشا
رجل السكر… ابن أسوان في ذكراه الـ 63
في تاريخ الاقتصاد المصري أسماء صنعت زمنًا كاملًا، لا لأنها امتلكت المال فحسب، بل لأنها حاولت أن تجعل من المال مشروعًا وطنيًا. ومن بين تلك الأسماء يبرز اسم أحمد عبود باشا، رجل خرج من أقصى صعيد مصر ليصنع واحدة من أكثر حكايات الصعود الاقتصادي إثارة في تاريخ البلاد الحديث، وليصبح لاحقًا أحد أبرز رموز الرأسمالية الوطنية في زمن كانت فيه مفاتيح الاقتصاد في يد الشركات الأجنبية.
وُلد أحمد عبود عام 1889 في أسوان، في زمن كانت مصر فيه تعيش تحت ظل النفوذ البريطاني، وكانت مفاتيح الاقتصاد الكبرى في يد الشركات الأجنبية. لم يكن من أبناء الطبقة الثرية، ولم يولد في بيت من بيوت النفوذ، بل نشأ في بيئة بسيطة على ضفاف النيل، حيث يتعلم الإنسان مبكرًا معنى الكدح، وأن الطريق إلى المستقبل لا يُفتح إلا بالاجتهاد.
كانت مصر في تلك السنوات تمر بمرحلة انتقالية دقيقة؛ بلدٌ يتغير ببطء تحت ضغط الحداثة من جهة، وضغط الاحتلال من جهة أخرى. وفي هذا المناخ بدأ جيل جديد من المصريين يخرج من المدارس الحديثة حاملًا حلمًا مختلفًا: أن يكون المصري شريكًا في صنع الثروة، لا مجرد عامل في شركات الآخرين.
اختار أحمد عبود طريق الهندسة، وهو تخصص كان يفتح أبواب العمل في المشروعات الكبرى التي بدأت تنتشر في مصر مع توسع السكك الحديدية ومشروعات الري والإنشاءات. وبعد تخرجه بدأ حياته العملية مهندسًا في بعض المشروعات.
غير أن طبيعته العملية لم تكن تقبل البقاء طويلًا في موقع الموظف. كان يرى أن الوظيفة، مهما كانت محترمة، لا تمنح صاحبها الحرية التي تمنحها المغامرة. ولهذا قرر أن يترك الطريق الآمن، ويخوض عالم المقاولات.
كان ذلك القرار أشبه بالقفز في بحر تسيطر عليه الشركات الأجنبية، خصوصًا البريطانية. لكن عبود لم يكن يملك رأس المال الكبير بقدر ما كان يملك عقلًا عمليًا وقدرة نادرة على قراءة الفرص.
شيئًا فشيئًا بدأ يحصل على عقود في مشروعات النقل والإنشاءات، وبدأ اسمه يظهر في عالم المقاولات. لم يكن الطريق مفروشًا بالنجاح السريع، بل كان طريقًا طويلًا من المحاولات والصبر وبناء العلاقات. لكن كل مشروع جديد كان يفتح أمامه بابًا أكبر من سابقه.
ومع مرور السنوات لم يعد مجرد مقاول ناجح، بل أصبح واحدًا من الوجوه الصاعدة في عالم الاقتصاد المصري، في زمن كانت فيه مصر تشهد ظهور طبقة جديدة من رجال الأعمال الوطنيين الذين حاولوا منافسة النفوذ الاقتصادي الأجنبي.
غير أن التحول الأكبر في حياة أحمد عبود جاء حين اتجه إلى الصناعة.
أدرك مبكرًا أن المستقبل الحقيقي للاقتصاد لا يكمن في المقاولات وحدها، بل في بناء قاعدة صناعية قادرة على تحويل الموارد الزراعية إلى قيمة اقتصادية. ومن هنا جاء اهتمامه بصناعة السكر.
كانت شركة السكر والتقطير المصرية آنذاك واحدة من أهم المؤسسات الصناعية في البلاد، لأنها ترتبط مباشرة بزراعة قصب السكر في صعيد مصر، وهي زراعة تشكل عصب الاقتصاد الزراعي في مناطق واسعة من الجنوب.
استطاع عبود تدريجيًا أن يمد نفوذه داخل هذه الشركة، حتى أصبحت محور إمبراطوريته الاقتصادية. ومع توسع نشاط الشركة امتدت مصالحه عبر مساحات واسعة من صعيد مصر، حيث مزارع القصب ومصانع التكرير وشبكات النقل المرتبطة بها.
ومع نجاحه في هذا المجال لم يكتفِ بالصناعة وحدها. توسعت استثماراته إلى الكهرباء والنقل النهري والمقاولات الكبرى، فدخل في مشروعات إنتاج الطاقة وتشغيل بعض شركات الكهرباء في مصر، وهي مشروعات كانت تمثل عصب التنمية في تلك المرحلة.
في الثلاثينيات والأربعينيات أصبح أحمد عبود باشا واحدًا من أهم رجال الاقتصاد في مصر. كانت شركاته تمتد في مجالات متعددة، وأصبحت إمبراطوريته الاقتصادية جزءًا من المشهد الاقتصادي العام في البلاد.
ومع اتساع نفوذه الاقتصادي كان طبيعيًا أن يدخل أيضًا إلى الحياة السياسية. فقد انتُخب عضوًا في مجلس الشيوخ، وهو المجلس الذي كان يضم نخبة رجال الدولة والمال في مصر الملكية.
وفي تلك الفترة مُنح لقب “باشا”، وهو اللقب الذي كان يعكس المكانة الاجتماعية والسياسية التي وصل إليها.
ارتبط اسمه كذلك بعلاقات وثيقة مع القصر الملكي في عهد الملك فؤاد الأول ثم في عهد الملك فاروق. وكان الاقتراب من دوائر الحكم يمنح رجال الاقتصاد نفوذًا إضافيًا، لكنه كان يضعهم أيضًا في قلب الجدل السياسي الذي كان يدور حول العلاقة بين المال والسلطة في مصر الملكية.
بحلول الأربعينيات كان أحمد عبود باشا قد أصبح واحدًا من أغنى رجال مصر وأكثرهم تأثيرًا في الاقتصاد الوطني. كانت شركاته تعمل في مجالات متعددة، وكانت إمبراطوريته الاقتصادية تمتد من الصعيد إلى العاصمة.
لكن التاريخ لا يظل ثابتًا على حال.
بعد 23 يوليو 1952 دخلت مصر مرحلة جديدة من تاريخها أنهت الحكم الملكي وبدأت إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد. ومع هذه التحولات بدأت إمبراطوريات اقتصادية كثيرة تتراجع، وكان من بينها إمبراطورية أحمد عبود باشا.
تعرضت ممتلكاته للتأميم، وانسحب الرجل تدريجيًا من الحياة العامة، وغابت صورته عن الصفحات التي كانت تتصدر أخباره يومًا.
وفي 23 مارس 1963 رحل أحمد عبود باشا بعد حياة امتدت أكثر من سبعين عامًا، كانت واحدة من أكثر حكايات الصعود الاقتصادي إثارة في تاريخ مصر الحديث.
قد يختلف الناس في تقييم تلك التجربة، وقد يراها البعض جزءًا من عصر اقتصادي انتهى، لكن ما لا يمكن إنكاره أن هذا الرجل كان واحدًا من أوائل المصريين الذين حاولوا أن يبنوا رأسمالية وطنية في زمنٍ كانت فيه مفاتيح الاقتصاد في يد الأجانب.
لذلك تبقى سيرة أحمد عبود باشا واحدة من تلك السير التي تكشف كيف يمكن لشاب خرج من أقصى الصعيد أن يكتب اسمه في قلب الاقتصاد المصري.
لأن التاريخ، في النهاية، لا يُصنع فقط في قصور الحكم…
بل يُصنع أيضًا في عقول أولئك الذين حلموا بأن تكون لمصر ثروتها بيد أبنائها.
وهكذا يظل أحمد عبود باشا…
واحدًا من الوجوه التي لا تغيب.







