مقالات وآراء

إياد الحسن يكتب: بين فخ الرحيل وجمر البقاء

​لا يمكن لأي ذي عقل أو قلب أن يقلل من هول المشهد أو جسامة التضحيات، فالبقاء في المناطق المهددة تحت سماء تمطر ناراً ليس خياراً سهلاً، بل هو مواجهة مباشرة مع الموت تخطف الأنفاس من الصغير قبل الكبير. إن الحفاظ على النفس البشرية هو أسمى الغايات، ولا يملك أحد أن يلوم أباً يفر بطفله من تحت الأنقاض، أو أماً تغطي جسد رضيعها بجسدها لعلها تمنع عنه شظايا القدر. إن الخطر على الحياة حقيقي وملموس، والموت لا يفرق بين شيخ وطفل، والحياة غالية لا تعوض.
​لكنني، ومن موقعي كلاجئ أكلت الغربةُ ملامح وجهه، أقرأ في عيون النازحين اليوم ذات “الوعود الفخ” التي قيلت لأجدادي. لقد قيل لنا قديماً: “اخرجوا لتحيا نفوسكم”، فخرج اجدادنا، لنكتشف أن النفس بلا أرض هي جسد بلا روح، وأن الحياة التي اشتريناها بالهجرة كانت حياة منقوصة، مُعلقة على جدران وكالات الإغاثة وأرصفة الانتظار.
​ومن قلب ازقة المخيم تعتق فيه الألم، إلى قلب بيت يرتجف اليوم من الخوف؛ رسالة من لاجئ أكل الصدأ مفتاح بيته، إلى لاجئ يمسك بيده حقيبة

السفر: ​يا رفيقي في التيه الجديد..
لا تترك “الأرض” لتبحث عن “الحياة”، فالحياة خارج أرضك ليست سوى انتظار طويل للموت. لقد قالوا لأجدادي قبل ثمانين عاماً: “اخرجوا لأيام.. سنحررها ونعيدكم”، فصارت الأيام عمراً، وصارت المفاتيح قلائد للزينة لا تفتح باباً. احذر “المؤقت”، ففي بلادنا لا شيء يدوم كالمؤقت. الخيمة التي تُنصب في ليلة، قد تحتاج لقرن لكي تُهدم. والوعود التي تأتيك من خلف الحدود أو من فوق الكراسي، هي وعودٌ كُتبت بحبر يذوب عند أول قطرة مطر، بينما دمك الذي يسيل على ترابك هو الحبر الوحيد الذي لا يُمحى.
​لا تسلم “درعك” طمعاً في سلام موهوم. السيادة التي لا تحميك هي سيادة على الورق، والوطن الذي يطلب منك أن تكون أعزلا أمام ريح عاتية هو وطن يشرع أبوابه للضياع. إن من يطلب منك ترك أرضك بحجة “حمايتك”، غالبا ما يقصد حماية “نفسه” من عبء وجودك. تشبث بالتراب، حتى لو صار التراب جمرا. فاللاجئ ليس من فقد بيته فحسب، بل هو من فقد “قراره”. بمجرد أن تعبر الحدود، ستتحول من “صاحب حق” إلى “رقم” في سجلات الإغاثة، ومن “مواطن” إلى “عالة” في عيون العالم.
​نحن لم نكن نلوم كبارنا لأنهم خافوا، بل لأنهم “صدقوا”. فلا تكرر خطيئة التصديق. ابق حيث أنت، فالجوع في وطنك أكرم من شبع مغمس بذل اللجوء، والموت فوق أرضك هو “شهادة”، أما الموت في المنافي فهو مجرد “خبر” في ذيل النشرة. احفظ “مفاتيحك” جيداً.. ولكن لا تخرج من الباب أصلا.
​إن الرسالة الواحدة التي أحملها إليكم من المخيم هي:
​”إن أثمان البقاء على الأرض باهظة ومخضبة بالدم، لكن أثمان التخلي عنها هي الفناء الكامل للهوية والمستقبل؛ فلا تسمحوا لشرعية (الخوف على الحياة) أن تشرعن (ضياع الوطن) ، لأن من يترك أرضه بحثاً عن الأمان، غالبا ما يجد نفسه غريبا بلا أمان وبلا وطن.”

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى