
تقف المالية العامة في مصر اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي دقيق. فالحكومة تخطط لرفع الحصيلة الضريبية إلى نحو 3 تريليونات جنيه سنويًا خلال السنوات المقبلة مقارنة بحوالي 2 تريليون جنيه حاليًا. هذا الهدف المالي يأتي في سياق ضغوط اقتصادية متزايدة: تضخم مرتفع، دين عام متضخم، وتكاليف خدمة دين تلتهم الجزء الأكبر من الإنفاق العام. غير أن القضية الحقيقية ليست في زيادة الضرائب بحد ذاتها، بل في طبيعة النظام الضريبي الذي يجمعها وعدالة توزيع عبئها بين المواطنين.
الإصلاح الضريبي في الاقتصادات الحديثة لا يقاس بحجم الإيرادات فقط، بل بمدى قدرته على تحقيق العدالة وتحفيز الإنتاج. وفي الحالة المصرية تبدو المشكلة الأساسية ليست في ضعف التحصيل بقدر ما هي في اختلال بنية النظام الضريبي نفسه، حيث تتحمل الطبقات المتوسطة والفقيرة نسبة كبيرة من العبء الضريبي عبر الضرائب غير المباشرة.
تشير البيانات المالية إلى أن الإيرادات الضريبية في مصر تمثل ما بين 13% و14% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أقل من متوسط الدول متوسطة الدخل الذي يتراوح بين 18% و20%. لكن الفارق الأهم ليس في الحجم، بل في توزيع العبء الضريبي.
يعتمد النظام الضريبي المصري بدرجة كبيرة على الضرائب غير المباشرة، وعلى رأسها ضريبة القيمة المضافة التي تمثل ما يقارب 40% من إجمالي الإيرادات الضريبية. وهذه الضرائب بطبيعتها أقل عدالة لأنها تُفرض على الاستهلاك، وبالتالي يتحملها الفقير والغني بالنسبة نفسها تقريبًا.
في المقابل لا تزال الضرائب المباشرة على الدخل والثروة محدودة الأثر مقارنة بما هو مطبق في اقتصادات مماثلة. فمعدل الضريبة على الشركات يبلغ نحو 22.5%، بينما تبقى الضرائب على الأرباح الرأسمالية والثروات أقل فعالية في التحصيل مما ينبغي.
أحد أبرز أوجه الخلل في النظام الضريبي المصري يتمثل في الاقتصاد غير الرسمي، الذي تشير تقديرات متعددة إلى أنه يمثل ما بين 30% و40% من حجم الاقتصاد المصري. ويضم هذا القطاع ملايين العاملين في الورش الصغيرة والمتاجر غير المسجلة والأنشطة المنزلية والعمل الحر.
غير أن إدماج هذا القطاع في الاقتصاد الرسمي لا يمكن أن يتم عبر منطق الجباية وحده. فالحرفي أو العامل المستقل في الأحياء الشعبية لا يعمل خارج المنظومة الرسمية بدافع التهرب فقط، بل بسبب تعقيد الإجراءات وارتفاع تكاليف التسجيل والخوف من أعباء مالية لا تتناسب مع حجم دخله.
ويزداد الأمر تعقيدًا في قطاع المهن الحرة، مثل الأطباء والمحامين والمهندسين والمحاسبين وبعض الاستشاريين، حيث تتسع دائرة التهرب الضريبي نسبيًا مقارنة بقطاعات أخرى. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، من أهمها اعتماد جزء كبير من المعاملات في هذه القطاعات على الدفع النقدي المباشر (الكاش)، وصعوبة تتبع حجم الدخل الحقيقي، إضافة إلى ضعف منظومة الفواتير الإلكترونية في بعض المجالات الخدمية.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نسبة معتبرة من أنشطة المهن الحرة لا تدخل بالكامل ضمن الإقرار الضريبي، وهو ما يخلق فجوة كبيرة بين الدخل الحقيقي المولد في هذه القطاعات وبين ما يظهر في السجلات الضريبية.
خلال السنوات الأخيرة تعرضت الصناعات الصغيرة والمتوسطة لضغوط كبيرة. فقد أدى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلبات سعر الصرف وزيادة الرسوم المختلفة إلى تراجع قدرة العديد من المصانع الصغيرة على الاستمرار. وتشير تقديرات صناعية إلى أن آلاف المنشآت الصناعية الصغيرة توقفت أو خفضت نشاطها خلال العقد الأخير نتيجة ارتفاع التكاليف وضعف القدرة التنافسية.
جزء من هذه الضغوط يرتبط بارتفاع أسعار الطاقة. ففي عام 2026 شهدت مصر زيادة جديدة في أسعار الوقود تراوحت بين 14% و17%. وارتفع سعر بنزين 95 إلى نحو 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 إلى نحو 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 إلى نحو 20.75 جنيهًا، بينما بلغ سعر السولار نحو 20.5 جنيهًا للتر.
هذه الزيادات تنعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وهو ما يغذي موجات التضخم. وقد وصل معدل التضخم في مصر إلى نحو 38% في سبتمبر 2023 قبل أن يتراجع لاحقًا، بينما سجل نحو 13.4% في فبراير 2026 وفق البيانات الرسمية.
وفي الخلفية يقف التحدي الأكبر: الدين العام وتكلفة خدمته. إذ يقترب إجمالي الدين الحكومي من 15 تريليون جنيه، أي نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي. أما خدمة الدين فقد بلغت في الموازنة الأخيرة نحو 4.38 تريليون جنيه، أي ما يقارب 65% من استخدامات الموازنة العامة.
هذه الضغوط تدفع الحكومة إلى البحث عن موارد مالية إضافية، وفي مقدمتها الضرائب. غير أن الطريق الأسهل ليس دائمًا الطريق الصحيح اقتصاديًا. فزيادة الجباية دون إصلاح هيكلي قد تؤدي إلى إضعاف الاستثمار والإنتاج.
لذلك فإن الرؤية الاقتصادية الليبرالية للإصلاح الضريبي تقوم على إعادة بناء النظام الضريبي على أسس أكثر عدالة وكفاءة، من خلال مجموعة من الإجراءات العملية.
أولاً: إصلاح هيكل الضرائب ليصبح أكثر تصاعدية بحيث يتحمل أصحاب الدخول المرتفعة والثروات الكبيرة نصيبًا أكبر من العبء الضريبي مع تخفيف العبء عن الفئات الأقل دخلًا.
ثانيًا: تخفيف الأعباء الضريبية على الصناعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المصدر الرئيسي لخلق فرص العمل وتحفيز النمو الاقتصادي.
ثالثًا: دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا عبر نظام ضريبي مبسط يسمح للحرفيين وصغار التجار بالدخول إلى المنظومة الرسمية بتكاليف منخفضة وإجراءات سهلة.
رابعًا: إصلاح النظام الضريبي للمهن الحرة عبر تعميم الفاتورة الإلكترونية وربط الخدمات المهنية بأنظمة دفع رقمية تقلل من الاعتماد على المعاملات النقدية.
خامسًا: توريق الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على الكاش عبر توسيع استخدام المدفوعات الرقمية والبطاقات الإلكترونية وأنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول، لأن الاقتصاد الرقمي يسهل الشفافية ويحد من التهرب الضريبي.
سادسًا: توسيع قاعدة البيانات الضريبية وربطها بالمنظومات الحكومية المختلفة بما يسمح بتقدير الدخل الحقيقي للنشاط الاقتصادي دون إرهاق صغار المكلفين.
إن الدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على زيادة الجباية فقط، بل بقدرتها على بناء اقتصاد منتج يخلق الثروة أولًا ثم يوزع عبء الضرائب بعدالة.
فالضرائب ليست مجرد أرقام في الموازنة، بل هي عقد اجتماعي واقتصادي بين الدولة والمجتمع. وإذا كان هذا العقد قائمًا على العدالة والشفافية، فإنه يتحول من عبء ثقيل إلى ركيزة للاستقرار الاقتصادي والنمو المستدام.





