
في مارس من عام 2026 اندلعت حرب جديدة في الشرق الأوسط، حرب شاركت فيها الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب إسرائيل ضد إيران.
غير أنها لم تكن حرباً كسائر الحروب التي خاضتها أمريكا عبر تاريخها، فلم تكن حرب منفعة ولا حرب ضرورة، بل حرب ارتبك فيها القرار، واضطرب فيها الميزان، حتى بدا كأن العالم يشهد معركة بلا خريطة، وناراً بلا نهاية.
لقد ظنت واشنطن أن ما جرى في فنزويلا، حين اشتد الخناق على نظام الرئيس/ نيكولاس مادورو، يمكن أن يتكرر في طهران، وأن الضغط العسكري، والسياسي قادر على أن يزلزل أركان الحكم كما زلزل عروشاً قبلها.
غير أن القياس كان قياساً مع الفارق، فإيران ليست دولة عابرة في خرائط السياسة، بل دولة تضرب جذورها في عمق التاريخ، وتستند إلى عقيدة قتالية جعلت من الصبر سلاحاً، ومن الزمن حليفاً، ومن الأرض حصناً لا يلين.
لقد بدت الحرب في بدايتها هجوماً ثنائياً، من واشنطن وتل أبيب، فإذا بها مع مرور الأيام تتحول إلى مشهد أكثر تعقيداً، إذ ظهرت إيران خصماً عنيداً، عتيداً، متجذراً في أرضه.
يقاتل بأسلوب لا يعتمد على سطوة البحر، ولا سيطرة الجو، بل على وابل الصواريخ الباليستية التي تنطلق كالسهم من قوس مشدود، لتضرب كل ما يتصل بمصالح أمريكا أو إسرائيل أو حتى حلفائهما في الخليج.
ولم تكن تلك الصواريخ مجرد أدوات للردع، بل رسائل نارية تقول إن الحرب إن بدأت في سماء الشرق الأوسط، فإن صداها قد يمتد إلى ما وراء حدوده.
بل إن الحقيقة التي لم تخفها (طهران) أنها لو امتلكت القدرة الكاملة على بلوغ الأرض الأمريكية لما ترددت في إطلاقها، فالحروب إذا اشتعلت لا تعترف بمسافات الجغرافيا ولا بحواجز البحار.
ثم جاءت الضربة التي استهدفت مصافي النفط داخل (إيران)، فاشتعلت النيران في خزانات الطاقة، وتصاعدت الأبخرة، والغازات السامة.
فخرجت (طهران) ببيان تتهم فيه (إسرائيل) باستخدام أسلحة كيميائية.
وهنا لم تتأخر (واشنطن) في إصدار بيان يدين قصف المصافي النفطية، لا بدافع التعاطف بقدر ما كان بدافع الخوف من باب إن فتح فلن يغلق.
فالسلاح الكيميائي إن كسر قفله، انطلقت منه لعنة لا تفرق بين عدو وصديق، ولذلك بدا البيان الأمريكي محاولة لردع إيران عن استخدام هذا السلاح، قبل أن تتحول الحرب إلى جحيم لا يملك أحد مفاتيح إطفائه.
ومع مرور الأيام تتوالد الأسئلة كما تتوالد العواصف مثل : لماذا قامت هذه الحرب أصلاً ؟
والإجابة : لقد قامت لأن صراع النفوذ في الشرق الأوسط بلغ ذروته.
فواشنطن أرادت كبح تمدد إيران الإقليمي، وطهران رأت في ذلك محاولة لخنقها سياسياً، وعسكرياً، فتحول الصراع من منافسة باردة إلى مواجهة حارة، ومن حرب نفوذ إلى حرب نار.
وسؤال آخر : كيف ستنهي أمريكا هذه الحرب التي بدت وكأنها لعنة ؟
والرد : أن إنهاءها لن يكون سهلاً، فإيران ليست جيشاً يمكن كسره بضربة خاطفة.
بل منظومة عسكرية وأمنية وعقائدية ممتدة داخل حدودها، وخارجها. ولذلك فإن نهاية الحرب إن جاءت، ستكون على الأرجح بتسوية سياسية، لا بانتصار عسكري حاسم.
وسؤال ثالث : هل منحت هذه الحرب نظام الملالي في إيران قبلة الحياة ؟
والإجابة : كثيراً ما تفعل الحروب عكس ما يراد منها، فبدل أن تسقط الأنظمة، توحد الشعوب خلفها.
وقد تتحول الحرب أيضاً إلى سبب في تعزيز شرعية النظام الإيراني داخلياً، إذ يجد المواطن نفسه في مواجهة عدو خارجي، فيلتف حول النظام الحاكم لدولته مهما كانت خلافاته معه.
وفي تقديري : أن الولايات المتحدة دخلت هذه الحرب بخطى متعجلة، كأنها تسير في ضباب كثيف.
فلا خطة واضحة، ولا نهاية مرسومة، حتى أدوات العصر الحديثة ومنها الذكاء الاصطناعي لم تستطع أن تمنح القرار السياسي أو العسكري بصيرة كافية في هذا الميدان المليء بالمفاجآت.
أما النتيجة الأكثر قسوة فهي أن شعوب المنطقة لا سيما في (إسرائيل) ودول (الخليج العربي)، باتت تعيش تحت ظل الخطر اليومي.
فكلما دقت صفارات الإنذار معلنة اقتراب الصواريخ، ارتجفت القلوب قبل الجدران، وهرع الناس إلى الملاجئ كأن الأرض ضاقت بهم بما رحبت.
فأي حياة هذه التي تقاس بالساعات بين إنذار وإنذار، وأي يوم دراسي يمكن أن يمر طبيعياً تحت ظل الصواريخ.
وأي اقتصاد يستطيع أن يزدهر بينما السماء تمطر ناراً ..
وفي المقابل، يعيش الشعب الأمريكي في أمان نسبي، تحميه المسافات، وتحرسه الجغرافيا.
فالحرب هناك قرار سياسي، أما هنا فهي واقع يومي.
غير أن المشهد في تقديري كشف حقيقة أكثر مرارة.
فقد بدت هذه الحرب كأنها لم تثقل كاهل المنطقة وحدها، بل أرهقت هيبة أمريكا ذاتها، حتى كأنها حرب أسقطت الغطاء عن القوة، وكشفت حدودها.
فواشنطن دخلت المعركة بسيف مرفوع، لكنها لم تدخلها بمفتاح الخروج.
إذ لم يعد قرار إنهاء الحرب في يدها وحدها، بعدما أعلن مرشد إيران، (مجتبى علي خامنئي)، أن طهران هي صاحبة الكلمة الأخيرة في وقف القتال أو استمراره.
وإن قدر لهذه الحرب أن تخمد نارها، فليس مستبعداً أن تطالب (إيران) بتعويض يتجاوز خسائرها المادية إلى جراحها المعنوية.
فالحروب في هذا الشرق لا تنتهي عند حدود الخراب، بل تمتد إلى حسابات الكرامة والهيبة.
والحق أن قرار الحرب حين يتخذ على عجل أو على هوى فرد، قد يحول القوة إلى عبء، والنفوذ إلى مأزق.
وهنا تبدو مسئولية الرئيس الأمريكي/ دونالد ترامب واضحة.
إذ إن اندفاعه إلى المواجهة قد وضع تاريخ بلاده في موضع حرج، كأن القوة العظمى بدت في صورة دولة تتحرك بقرار رجل، لا بإرادة شعب تمثلها المؤسسات.
وهنا ينهض السؤال القديم الجديد : أليست الحروب الكبرى في الدول الديمقراطية يجب أن تكون قرار أمة، لا نزوة زعيم !
أليست أصوات الشعوب أولى بأن تستشار قبل أن تتكلم المدافع ؟
ثم إن للحروب كلفة لا تحصى بالبارود وحده، بل تقاس كذلك بما تحدثه في جيوب الناس وأسواقهم.
فقد تكبدت أمريكا خلال أسابيع قليلة خسائر بمليارات الدولارات، وتسلل التضخم إلى أسعار الوقود، حتى ارتفع ثمن البنزين، وارتفعت معه أسعار السلع تباعاً كأحجار الدومينو حين يسقط أولها.
وهنا يبرز التناقض الصارخ : فأي مجد اقتصادي ذاك الذي كان يُتباهى به.
وأي ازدهار ذاك الذي يتهاوى عند أول اختبار لنار الحرب.
إن التاريخ الاقتصادي الذي طالما تباهت به واشنطن قد يجد نفسه اليوم أمام صفحة جديدة تكتب بمداد من القلق والديون.
فإن كانت الحروب تُصنع أحياناً لحفظ الهيبة، فإنها إن أسيء تدبيرها قد تصبح السبب في سقوطها.
وهكذا تكشف هذه الحرب مفارقة العصر : قوة عظمى تملك السلاح، لكنها لا تملك النهاية.
وخصم محاصر قد لا يملك كل القوة، لكنه يملك الصبر الطويل.
وعلى الله قصد السبيل.





