
تطرح العقوبات الأمريكية الأخيرة بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية تساؤلات عميقة حول موضوعية السياسة الدولية تجاه الأزمة في السودان ومآلاتها ، وحول الأهداف الحقيقية التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد للوصول إليها.
ففي الوقت الذي يتطلع فيه السودانيون رسمياُ وشعبياُ، إلى تصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية، تفاجئهم واشنطن بقرارات تستهدف أطرافاً داخلية تدافع عن الدولة والمجتمع في مواجهة اعتداء مليشيا الدعم السريع. هذا التناقض يثير تساؤلاً جوهريا:
ما هو مسوغ إتهام أطراف وطنية تقوم بدورها في نزاع يستهدف الدولة والمجتمع بينما تجاهل جهة أخرى متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى إلى مستوى جرائم حرب؟
فقد وثقت تقارير دولية صادرة عن منظمات حقوقية وإنسانية عديدة سلسلة من الانتهاكات المنهجية المنسوبة إلى قوات الدعم السريع ، شملت القتل الجماعي، والتطهير العرقي، والعنف الجنسي، والتهجير القسري.
وهي ممارسات لم تعد محل جدل، إذ جرى توثيقها على نطاق واسع وبما لا يخفى على المجتمع الدولي ومؤسساته المعنية بحقوق الإنسان.
القرارات الأمريكية هذه تتقاطع بوضوح مع وقائع سياسية وإقليمية تسعى إلى إعادة تعريف الصراع في السودان باعتباره صراعاً أيديولوجياً، وليس معركة دولة ضد مليشيا مسلحة.
وهذا التحول في توصيف الحرب، له تداعيات سياسية خطيرة, إذ يمنح المليشيا غطاءً سياسياً غير مباشر، ويحول الصراع من مواجهة مع مليشيا مسلحة إلى نزاع داخلي أيديولوجي. وفي ذات السياق تعيد القرارات إنتاج السردية التي يروج لها الظهير السياسي للمليشيا بأن المؤسسة العسكرية السودانية تقع تحت هيمنة الإسلاميين. وبمجرد ترسيخ هذه الرواية دوليا، يصبح من السهل تبرير الضغوط السياسية لإعادة المليشيا إلى المعادلة السياسية تحت فرضية “التوازن السياسي”.
إن خطورة هذه المقاربة أنها تنقل الحرب من إطارها السياسي والعسكري إلى إطار أيديولوجي حاد.
مثل هذه التوجهات لا تكتفي بتحويل طبيعة الصراع، بل قد تخلق أيضا ضغوطا دولية تعرقل التقدم العسكري لتحرير البلاد والقضاء على المليشيا.
وتحمل هذه القرارات تداعيات معقدة فهي قد تدفع نحو مزيد من الضغوط الدولية لفرض تسوية سياسية تعيد المليشيا وحلفاءها إلى المعادلة، رغم الرفض الشعبي الواسع لعودتهم إلى الساحة السياسية بعد كل هذه الانتهاكات المروعة ..
في هذا السياق يثير المسار الأمريكي تجاه الأزمة في السودان تساؤلات حول دوافعه الحقيقية.
فبينما يعتبر الضغط السياسي والدبلوماسي في الخطاب الرسمي مساراً لدفع الأطراف نحو تسوية ووقف الحرب، إلا أن مثل هذه الضغوط قد تفضي عمليا إلى مسار مختلف تماماً. فالتجارب الدولية تشير إلى أن مسار “التسويه المفروضة” كثيرا ما ينتهي الى الانقسامات، كما حدث في انفصال جنوب السودان. ويظل السؤال مطروح هل الهدف الحقيقي هو إنهاء الحرب عبر تسوية وطنية شاملة تحفظ وحدة الدولة، أم أن هذه الضغوط قد تمهد لواقع جديد يعيد طرح سيناريو التقسيم؟
كما يمكن أن تنعكس هذه القرارات على العلاقات الدبلوماسية للسودان وعلى حركة الاقتصاد والتعاون الدولي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أكبر قدر من الدعم لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار، تأتي هذه القرارات لتضع كلفة اقتصادية عاليه، فبمجرد إدراج أطراف سودانية وطنية ضمن قوائم الإرهاب يعد مؤشراً سالباً للمؤسسات المالية الدولية والمستثمرين، ويدفع البنوك العالمية إلى تشديد القيود على التحويلات المالية والتعاملات المصرفية المرتبطة بالسودان.
وهذا يعني مزيدا من العزلة الاقتصادية وتفاقم الظروف المعيشية للمواطنين.
والأخطر من ذلك هو البعد القانوني الدولي لهذه التصنيفات إذ لا تتوقف آثار القرار عند حدود العقوبات المباشرة، بل تمتد إلى ما يعرف بالعقوبات الثانوية.
وهذا يعني أن أي شركة أو بنك أو مؤسسة دولية تتعامل مع الأطراف المصنفة قد تجد نفسها تحت طائلة العقوبات أيضاً، وهو ما يسمّى في الاقتصاد العالمي بسياسة “العزل الوقائي”، حيث تتجنب المؤسسات الدولية التعامل مع الدولة المعنية لتجنب المخاطر القانونية. وهكذا قد يجد السودان نفسه أمام عزلة مالية وصعوبات أكبر في الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي.
تبدو القرارات في مضمونها ذات أهداف سياسية، لكنها ألبست غطاء قانونيا فضفاضا بمعايير غير واضحة وآليات قابلة للتأويل.
ومثل هذا الإطار الهلامي يفتح الباب أمام توظيف التصنيفات بصورة انتقائية في الصراعات السياسية. والخطر هنا
يمتد إلى احتمال تعميق الانقسامات داخل المجتمع و
تفكيك النسيج الاجتماعي نفسه، وإعاقة أي جهد حقيقي نحو المصالحة أو التسوية الوطنية. إذ أن التيار الإسلامي في السودان ليس كيانا واحدا يمكن اختزاله في تنظيم محدد، بل هو تيار واسع ومتجذر ومتغلغل في بنية المجتمع السوداني. ولذلك فإن التعامل معه بمنطق التصنيف كتنظيم إرهابي لن يؤدي إلا إلى لمزيد من التعقيد في المشهد السياسي وتصاعد خطاب الكراهية، والعنف والعنف المضاد الأمر الذي يؤدي إلى توسيع دائرة الصراعات السياسية والنزاعات المسلحة التي تنسف الاستقرار و مسيرة التنمية ويعيق التوجه الرامي لخلق الوحدة وبناء النسيج المجتمعي، وبدلاً من أن تصبح العقوبات أداة للضغط من أجل السلام تتحول إلى عامل إضافي يطيل أمد الصراع ويزيد تعقيداته و يولد ردود أفعال مضادة تعمق الانقسام و لا تعالجه، فبدلاً عن الدفع نحو التوافق الوطني، قد يؤدي هذا الإجراء إلى تقويض فرص بناء مشروع وطني جامع و التوصل إلى دستور يحظى بإجماع السودانيين لبناء الدولة تسع الجميع .
في نهاية المطاف، فإن أي مقاربة دولية للأزمة السودانية لا تراعي تعقيداتها الداخلية ولا تميز بوضوح بين الدولة والمليشيات المسلحة، قد تسهم في إطالة أمد الصراع بدل المساعدة على إنهائه وتعريض وحدة التراب الوطني للخطر
لو تريد، أقدر أجهزه لك أيضًا في نسخة جاهزة للنشر الصحفي أو نسخة وورد منسقة بنفس الشكل.




