
من هم الأصدقاء ومن هم الأعداء؟ لماذا كان الجفاء بين مصر وإيران وهل إيران عدو حقيقي لمصر؟!، أين مصر في الترتيبات الإقليمية التي تحدث الآن؟ هل حددنا من هو العدو التاريخي وعيوننا علي الصديق المتحول . كل هذه الأفكار دارت في ذهني وأنا أفكر في فلسفة سياستنا الخارجية .
سألت وزير خارجية مصري مرموق سابق ، مَن الذي يصنع سياسة مصر الخارجية ؟، وكيف يتم صنع التوجهات وتحديد الأهداف ؟
قال: قصرالرئاسة ،والمخابرات العامة ، والخارجية. ويعتمد دور الخارجية علي شخصية الوزير الي حد كبير ، فإليّ فيقدم بدائل مدروسة أو يكون مُنفذاً فقط لما يمليه رئيس الجمهورية وفريق عمله..
وأحياناً عندما يكون وزير الخارجية قوي وصانع سياسة وله موقف ، فقد يتعارض ذلك مع توجهات الرئاسة فيستقيل او يتم تغييره.
وهناك بعض القضايا التي تتغلب مؤسسة علي الأخري في أخذها علئ عاتقها ، حسب نوعية و سخونة الأحداث وحدتها..
في التاريخ السياسي المصري، حالات استقالة وزراء الخارجية بسبب اختلاف واضح مع توجهات الرئاسة ليست كثيرة، لأن المنصب غالبًا ما يكون شديد الارتباط برؤية الرئيس نفسه. ومع ذلك، هناك بعض الأسماء البارزة التي ارتبطت استقالتها أو خروجها من المنصب باختلافات سياسية أو استراتيجية مع القيادة أهمها:
١- استقالة اسماعيل فهمي الذي تولى وزارة الخارجية بعد حرب أكتوبر في عهد أنور السادات. كان من أبرز الدبلوماسيين الذين أداروا الانفتاح الدبلوماسي بعد الحرب.
استقال عام 1977 اعتراضًا على توجه السادات للذهاب إلى القدس والتفاوض المباشر مع إسرائيل قبل إعداد عربي كافٍ.
هذه الاستقالة تعد واحدة من أهم الاستقالات السياسية في الدبلوماسية المصرية الحديثة.
٢- محمد ابراهيم كامل وزير الخارجية في عهد أنور السادات الذي استقال اثناء 1978 أثناء مفاوضات اتفاقيات كامب ديفيد، لاعتراضه على اتجاه المفاوضات مع مناحم بيغن ورؤيته أنها تقدم تنازلات كبيرة.
هناك أيضا وزراء خارجية كبار ظهرت بينهم وبين الرئاسة اختلافات في الرؤية أو التقدير السياسي، لكنهم لم يقدموا استقالة صريحة، بل انتهت خدمتهم بطرق أخرى . وهذه الحالات تكشف طبيعة العلاقة الحساسة بين الدبلوماسية والقرار الرئاسي في مصر و اهمهم :
عمرو موسي وزير الخارجية في عهد حسني مبارك (1991–2001).
الذي اكتسب شعبية عربية واسعة بسبب مواقفه الصريحة تجاه إسرائيل والسياسات الإقليمية.
تشير تحليلات سياسية كثيرة إلى أن حدة حضوره السياسي وشعبيته خلقت نوعًا من التوتر مع الرئاسة. لم يستقل، بل انتقل إلى منصب الأمين العام لـ جامعة الدول العربية عام 2001.
تساءلت مرة أخري بيني وبين نفسي ، عن مؤسسية إتخاذ القرارات ، حيث لا نعلم شيئا كمواطنين فاعلين عن لماذا نقترب من بلد ولماذا نبتعد أحياناً ؟ و نجد عدو الأمس صديقاً ، وصديق الأمس عدواً صريحاً ، أو” من تحت لتحت” كما يقولون في الأمثال.
وكما أعلم فإن المصالح تتصالح ، وتتغير موازين القوي حسب قوتنا الإقتصادية ، وتماسكنا الداخلي بدون هشاشة تعرض البلاد للإخطار لأتفه الأسباب، وعلي مدي قوتنا العسكرية المؤثرة في الأحداث.
إذن تتغير سياستنا الخارجية حسب نوعية إحتياجنا لغيرنا ومداه وحدته ، وعلي مدي إحتياج غيرنا لنا كأكبر سوق تجاري في المنطقة ، وبقوي بشرية تتخطي الحدود الجغرافية ، وحسب قدرتنا علي مواجهة التهديدات العسكرية ، أو قدرتنا الافتراضية علي تهديد غيرنا من الدول..
عندما كانت مصر في حرب مع إسرائيل ، في ظل ثنائية القطبية العالمية ، كانت الولايات المتحدة تضعنا في أولوياتها لتاثيرنا علي أمن المنطقة، واسرائيل بالذات.. وعندما تصالحنا ، ولم نُوجد البديل لهذا للتأثير ، فقدت مصر أولويتها لدي الغرب بشكل كبير للأسف.. نحن لم نملأ فراغاً تركه الانتقال من حالة الحرب الي حالة السلام بتنمية مستدامة تجعل الطلب علي العمالة المصرية أكبر ، ولا بتنمية إقتصادية تجعل الجميع يلهث وراء السوق المصري الواسع..
والآن بتصالح الخليج الغني ، والذي يسير في طريق حداثة مرموق مع العدو التقليدي ، بل وفتح مجالات تعاون أغلقناها نحن معه [رغم أخذنا مبادرة السلام قبله ]، وتغير ميزان القوه العالمي ، مع أحادية قطبية وثنائية في معايير الولايات المتحدة وبريطانيا بالذات ، أدت الي دمار العراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان، و أعتقد أن علي مصر خلق دوراً لها يختلف عما كان ، ووضع اعتبارات المستقبل في حسبانها.
وسؤالي هنا ، هل يستطيع فرد وحده مهما كانت إمكاناته كرئيس أو ملك ، وحتي لو كان معه مساعدين أن يحدد خطوات المستقبل ؟ ، إن المتغيرات أصبحت يومية ، أليس واجباً علينا أن ننشئ مؤسسات بحث ودراسة متخصصة ، ويكون لدي صانع القرار عشرات من الدراسات ، الحالية والمستقبلية ، بل وأذهب الي أبعد من ذلك وأقول أنه بتعدد المداخل والأفعال فلابد من إدخال الذكاء الاصطناعي وأجهزته ووسائله مع العقل البشري لاستيعاب الكثير وتصور الاحتمالات لكل موقف مستقبلي.
بل أذهب الي أبعد من ذلك مرة اخري، وأقول أنه يلزم أحيانا ، كما يفعل غيرنا ، خلق انطباعات، والعمل علي جعلها حقائق كما فعلت بنا الأجهزة الدعائية المخابراتية في ظروف متعددة، وأدت الي قيام ثورات وتدمير لاقتصاديات كان من الممكن أن تقود تنمية في المنطقة.
عندي عشرات التجارب التي تثبت صدق النظرية بل وفاعليتها. لابد أن نفكر ، وان نبادر ولا نظل واقفين في أنتظار حدوث الأحداث لنكون مجرد رد فعل لها ، مما يقلل من قدرتنا علي المبادرة.
هذا يعني أن يكون لنا فلسفة في إدارة سياستنا الداخلية و الخارجية، فما هي ؟
بالقطع ليست فلسفة الوساطة، وبالتأكيد ليست فلسفة الاستكانة والكمون، واتصور أن دوائرنا الخليجية والعربيه والأفريقية تحتاج أن يكون لنا فيها لوناً و لابد أن نجد ميزتنا التنافسية مع كل دائرة..
ما هي قوتنا الذاتية التي تجعل مصر أثقل في الميزان !.
في وقت من الأوقات كانت فلسفة مصر تصدير الثورة ضد الاستعمار التقليدي مما خلق لنا مؤيدين وأعداء.
وفي وقت من الزمن القريب كانت القوي الناعمة المصرية هي خالقة وجدان كل العرب وكانت فلسفة مصر إنتشار ذلك وتنميته ،بل وتمويله وفتح باب حرية الإبداع فيه.
كانت فلسفة مصر تصدير العمالة المصرية ، و بدأت بالمدرسين الذين انتشروا في كل البلاد العربية وعلموا أبناءها، وأغلب جيل القادة العرب الأولي والأفارقة تعلموا في جامعات مصر وتخرجوا منها.
كان التعليم والثقافة وسيلتنا للتأثير، مما جعل لمصر مكانة..
أما العمالة الفنية، فكانت عماد التنمية في الدول العربية نظرا لكفايتها وكفائتها ورخص سعرها، فكان لمصر الملايين من الفلاحين والعمال في تلك البلاد.
ماذا الآن؟
من الذي يدرس ويحلل ويبحث الآن في خلق مداخل تأثير جديدة، أفريقياً وعربياً بل وأوروبياً وعالمياً..
أمامنا عمل كبير وكبير لبناء الداخل ليكون لنا قيمة في الخارج ونحتاج الي فلسفة وخطه ومتابعة تطبيق ولكن قبل ذلك يجب أن يكون لنا رؤية مرنة ، تحتفظ بالتوجه ، وتبادر في إطار إيجابي.
المصدر: موقع «الموقع» الإخباري






