شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: ردُّنا على دعوة الرئيس السيسي. هذه رؤيتنا لمصر 2026–2030. بعد 24 ساعة.. وفي 100 صفحة..

دعوة أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إفطار الأسرة المصرية الذي عُقد في القاهرة يوم السبت 15 مارس 2026، في لقاء تقليدي يجمع مسؤولين وسياسيين وإعلاميين وشخصيات عامة، في مناسبة رمضانية تحمل طابعًا اجتماعيًا وسياسيًا في آنٍ واحد.

جملة قصيرة، عامية في لغتها، لكنها محمّلة بدلالات سياسية واضحة، حيث قال نصًا:
“اللي عنده حل ييجي… وإحنا نسمع منه… خليك على قد اللي إنت فيه… الدولة حاجة تانية خالص.”

سياق العبارة، في ظاهره، يحمل دعوة للمشاركة بالرأي ينبغي التعاطي معها بجدية؛ فرئيس الدولة يقول إن من يملك حلًا فليتقدم به، وأن الدولة مستعدة للاستماع.

هذا في ذاته أمر إيجابي، وهو أيضًا يحمل اعترافًا بواقع – لا خلاف عليه – بأن التحديات الحالية ليست سهلة، بكل تعقيداتها السياسية والاقتصادية (المحلية والإقليمية والدولية)، وأن التفكير في حلولها ليس حكرًا على مؤسسة بعينها.

هذا التوجه يتماشى مع حقيقة أن السياسة الحديثة، في كل الدول تقريبًا، تقوم على فكرة أن الحكومات لا تحتكر الحكمة، وأن المجتمع، بما فيه من خبراء واقتصاديين ومفكرين، يمكن أن يكون شريكًا في التفكير.

لكن الجزء الثاني من العبارة يفتح بابًا آخر للتأويل، وهو:
“خليك على قد اللي إنت فيه… الدولة حاجة تانية خالص.”

هذه الفكرة قديمة في الفكر السياسي؛ فمنذ قرون كتب الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز أن الدولة كيان ضخم أشبه بـ«الوحش البحري» الذي لا يمكن فهم حركته من خارج بنيته.

لكن الديمقراطيات الحديثة قامت على فكرة موازية أكثر أهمية واستحقاقًا، وهي:
أن تعقيد الدولة لا يلغي حق المجتمع في تقديم الرأي والرؤية، ولو كانت من خارج صندوق السلطة.
بل على العكس، كلما ازداد تعقيد الدولة وتأزمت الأوضاع، ازدادت الحاجة إلى مشاركة المجتمع في التفكير في مسارها.

من هنا يمكن قراءة عبارة الرئيس السيسي على مستويين مختلفين.

المستوى الأول:
يرى فيها دعوة صريحة إلى تقديم الحلول بدل الاكتفاء بالانتقاد. فالنقد بلا بدائل قد يتحول إلى ضجيج سياسي سهل، وربما يجذب إعجاب قطاع من الجمهور، لكنه لا يضيف شيئًا للواقع، فيصبح كالطبيب الذي يبذل كل جهده في وصف الحالة، لكنه لا يبذل بعض هذا الجهد في كتابة روشتة العلاج.

المستوى الثاني:
يرى أن الشق الثاني من العبارة قد يلغي عمليًا الدعوة الواردة في الشق الأول، ويضع حدودًا واضحة لدور المجتمع والخبراء في النقاش العام، ويعيد التأكيد على أن مجرد التفكير – من خارج دولاب الدولة، وليس فقط القرار – شأن سيادي لا يسمح لغيرها بالاقتراب منه.

موقفنا يمكن تحديده في المساحة بين هذين التفسيرين.

الدول لا تُصلح بمنهج الرفض للرفض، والمعارضة للمعارضة، ولا بالهتافات والشعارات، ولا بالانسحاب من ساحة العقل والحل، والانحصار في فضاءات السوشيال ميديا وما يعظّم منها عوائد اليوتيوب.

لكنها أيضًا لا يمكن أن تُدار بمعزل عن المجتمع، ولا بتسفيه دوره أو الاستخفاف برأيه، ليتحول هذا اللاعب الرئيسي في معظم دول العالم إلى مجرد مشاهد – عن بعد – لمباراة سيتحمل هو وحده نتيجتها.
وهنا يكمن الفارق بين المواطنين والرعايا، بين الديمقراطية التشاركية، وبين نظم لا تمثيلية ولا تشاركية.

العلاقة الصحية بين السلطة والرأي العام لا ينبغي أن تحكمها خصومة دائمة، بل علاقة توازن.

فالسلطة تحتاج إلى الرأي والنقد كي تتجنب أخطاءها، والمجتمع يحتاج إلى فهم تعقيدات الدولة كي لا يقع في تبسيط مخل.

تجارب الدول التي نجحت في إدارة أزماتها خلال العقود الأخيرة تُظهر أن الحلول لا تولد داخل عقول الحكومات وحدها.

فكثير من الأفكار الإصلاحية الكبرى خرجت من البرلمانات والسياسيين، والجامعات ومراكز البحث، ومن حوارات عامة شارك فيها مجتمع المواطنين، لا الرعايا.
فالدول القوية لا تخشى الحوار، بل تستمد منه قوة إضافية.

لذلك فإن العبارة التي قيلت في تلك المناسبة الرمضانية يمكن أن تُقرأ بوصفها دعوة غير مكتملة.

ولن يكتمل معناها إلا بالتعاطي الإصلاحي المنفتح معها – أو بالأحرى مع شقها الأول.

ومن جانبنا، وبحكم موقفنا الإصلاحي الذي تمسكنا به طوال أربعة عقود ونصف من العمل العام، نعلن من خلال هذه السطور استجابتنا بقبول الدعوة.

وبعد ساعات من الدعوة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في إفطار الأسرة المصرية، نقدم رؤيتنا لما ينبغي أن يكون عليه مسار الإصلاح.

رؤيتنا لأربع سنوات قادمة تقوم على تقديم تصور عملي وإيجابي لمستقبل الدولة المصرية.

بشكل عملي وإيجابي، نقدم لمصر أولًا، وللدولة المصرية، رؤية إصلاحية واقعية تقع في ثلاثة فصول، وفي قرابة 100 صفحة؛ رؤية حديثة وطازجة وفقًا لآخر المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، تناقش التحديات في السياسة الخارجية ما بعد الحرب على إيران والخليج.

كما تناقش المتغيرات الاقتصادية والأزمات المرتبطة بها، وتقدم تصورًا سياسيًا عمليًا، لا توصيفًا لها ولا إنكارًا لوجودها، ولا تنشغل الآن بالحديث عن أسبابها بقدر ما تنشغل بتقديم حلول واضحة ومحددة لها، مستمدة من خبرة 45 عامًا في العمل في الحياة العامة والبرلمان.

هذه ليست رؤية حزبية بالمفهوم الضيق، وليست برنامجًا انتخابيًا.

فقد سبق أن أعلنا – ونكرر – أننا لن نكرر تجربة خوض الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، كما أننا لا ندعي أن هذه الرؤية تمتلك الحقيقة المطلقة، أو أنها وحدها الحل الكامل لكل ما يواجه مصر من تحديات.

إنها محاولة جادة لتقديم أفكار قابلة للنقاش والتطوير.

نقدم عبر هذا الرابط المرفق درافت كتاب رؤية لمصر 2026-2030

رؤية واقعية ليبرالية لمصر 2026–2030 كما نتمنى أن نراها، وكما هو ممكن ومستحق؛ دعوة، في اللحظات الحرجة، ليتحول النقد إلى أفكار وحلول، وأن يتحول الجدل إلى حوار منتج.

وتبقى السياسة في النهاية فنًا دقيقًا للتوازن.

فالدولة تحتاج إلى حكمة السلطة، لكنها تحتاج أيضًا إلى عقل المجتمع.

المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تصمت أمام الدولة، ولا تلك التي تصرخ في وجهها.

بل تلك التي تعرف كيف تحاورها، وتدمن طرق الأبواب، بيقينٍ أنها ستفتح.

ربما كان المعنى الأعمق للعبارة أن الطريق إلى الإصلاح لا يبدأ بمن يملك السلطة وحده، بل بمن يملك الفكرة.

فالسلطة قد تدير الدولة،
لكن الأفكار هي التي تصنع مستقبلها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى