مقالات وآراء

معتصم الكيلانى يكتب : استهداف قوات اليونيفيل في لبنان في 15 آذار 2026

قراءة قانونية في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن

من وجهة نظري القانونية، يشكل استهداف قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) في 15 آذار/مارس 2026 مسألة ذات دلالات قانونية خطيرة، نظراً لما تمثله هذه القوات من أداة تنفيذية لنظام الأمن الجماعي الذي أرساه ميثاق الأمم المتحدة. فهذه القوات لا تعمل كطرف في النزاع، وإنما كبعثة دولية مكلفة بمهام محددة بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي، الأمر الذي يمنحها وضعاً قانونياً خاصاً يستوجب احترامه من قبل جميع الأطراف. وعليه، فإن أي اعتداء عليها يشكل مساساً مباشراً بالمنظومة القانونية الدولية التي تنظم عمليات حفظ السلام.

تستند شرعية وجود قوات اليونيفيل في جنوب لبنان إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701 لعام 2006، الذي صدر عقب النزاع المسلح بين لبنان وإسرائيل في تموز من العام ذاته. وقد نص القرار على وقف الأعمال العدائية ونشر قوات الأمم المتحدة بالتنسيق مع الجيش اللبناني في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني بهدف مراقبة وقف إطلاق النار والمساهمة في تثبيت الاستقرار. وبموجب هذا القرار، تتمتع قوات اليونيفيل بصفة قانونية تجعلها جزءاً من آلية تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وبالتالي فإن الاعتداء عليها يمكن أن يفسر بوصفه مخالفة مباشرة للالتزامات الدولية الناشئة عن تلك القرارات.

علاوة على ذلك، فإن الحماية القانونية التي تتمتع بها قوات حفظ السلام لا تستند فقط إلى قرارات مجلس الأمن، بل أيضاً إلى قواعد القانون الدولي الإنساني. فمبدأ التمييز، الذي يشكل أحد المبادئ الأساسية لهذا القانون، يفرض على أطراف النزاع التمييز بين الأهداف العسكرية المشروعة وبين الأشخاص أو الجهات التي لا تشارك مباشرة في الأعمال العدائية. وبما أن قوات حفظ السلام تؤدي مهاماً ذات طبيعة مراقِبة ومحايدة، فإن استهدافها يمثل انتهاكاً لهذا المبدأ، وقد يندرج في بعض الحالات ضمن الأفعال التي يمكن توصيفها قانونياً كجرائم حرب إذا ثبت تعمد الاعتداء عليها.

إلى جانب ذلك، توفر اتفاقية حماية أفراد الأمم المتحدة والأفراد المرتبطين بها لعام 1994 إطاراً قانونياً إضافياً يفرض التزاماً دولياً بحماية قوات حفظ السلام. إذ تنص هذه الاتفاقية على ضرورة احترام موظفي الأمم المتحدة وعدم تعريضهم لأعمال عنف أو تهديد أثناء أداء مهامهم، كما تلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير القانونية اللازمة لملاحقة مرتكبي الاعتداءات ضدهم.

ومن زاوية المسؤولية الدولية، فإن أي اعتداء على بعثة دولية مثل اليونيفيل قد يثير مسألة المسؤولية الدولية للدول أو الكيانات الفاعلة. فإذا ثبت أن الهجوم ارتكبته قوات تابعة لدولة معينة، فإن تلك الدولة قد تتحمل المسؤولية عن فعل غير مشروع دولياً وفقاً لقواعد مسؤولية الدول التي وضعتها لجنة القانون الدولي. أما في حال ارتكاب الاعتداء من قبل جماعات مسلحة غير حكومية، فإن الدولة التي يقع الهجوم ضمن إقليمها تظل ملزمة باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الاعتداءات وملاحقة مرتكبيها.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن حادثة استهداف قوات اليونيفيل في 15 آذار 2026 تمثل انتهاكاً مزدوجاً: فهي أولاً خرق لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحمي الأشخاص غير المشاركين في الأعمال العدائية، وثانياً مخالفة لقرارات مجلس الأمن التي تنظم وجود هذه القوات في جنوب لبنان. ومن ثم فإن معالجة مثل هذه الحوادث تقتضي إجراء تحقيق دولي مستقل يحدد المسؤوليات القانونية ويضمن عدم إفلات مرتكبيها من المساءلة، حفاظاً على مصداقية النظام القانوني الدولي وعلى فعالية عمليات حفظ السلام.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى