الحرب في الشرق الأوسطتكنولوجيا وذكاء صناعيملفات وتقارير

صور الأقمار الصناعية وكواليس الرقابة الرقمية على تدفق المعلومات في النزاعات الإقليمية

تتصدر صور الأقمار الصناعية المشهد الدولي عقب إعلان شركة بلانيت لابس Planet Labs فرض قيود صارمة على المواد البصرية الملتقطة لمعظم المناطق التي شهدت المواجهات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، حيث يأتي هذا التحرك بعد نجاح تلك الصور في كشف تفاصيل الدمار الذي طال القواعد العسكرية التابعة للولايات المتحدة في المنطقة، وتتضمن الإجراءات الجديدة إخضاع كافة اللقطات التي يتم جمعها فوق دول الخليج والعراق ومناطق النزاع المجاورة لتأخير إجباري يمتد لنحو 96 ساعة كاملة قبل السماح بإدراجها ضمن الأرشيف العام المتاح للبحث، وتؤكد الشركة أن هذا التوجه ينبع من الالتزام بضمان سلامة الأفراد الأمريكيين وحلفاء واشنطن وشركاء حلف الناتو والمدنيين المتواجدين بساحات القتال.

توسعت دائرة القيود لتشمل شركة فانتور Vantor التي سارت على نهج زميلتها بفرض إجراءات مماثلة على صورها الملتقطة فوق نطاق الشرق الأوسط، ورغم تأكيد المؤسستين أن هذه القرارات لم تكن نتاج ضغوط أو طلبات رسمية من الحكومة الأمريكية، إلا أن الواقع يشير إلى استفادة كلتيهما من عقود دفاعية حكومية ضخمة، ويستدعي هذا الموقف ذاكرة الأحداث حين اتخذت بلانيت لابس خطوة مشابهة تتعلق بالصور الواردة من قطاع غزة بعد مرور أسابيع قليلة على اندلاع الحرب هناك، مما يطرح تساؤلات فنية حول طبيعة عمل هذه المنظومات التي تعتمد على إطلاق أقمار مزودة بعدسات تصوير خاصة ذات دقة متفاوتة وعمر تشغيلي محدد يتطلب الاستبدال الدوري للحفاظ على الجودة.

آليات التصوير الفضائي وتصنيفات جودة البيانات الرقمية

تعتمد جودة صور الأقمار الصناعية على حجم المساحة التي يمثلها البيكسل الواحد على سطح الأرض، حيث تصنف الصور كعالية الجودة إذا كان البيكسل يغطي مساحة 0.5 متر في 0.5 متر، وقد نجحت بعض التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في رفع الدقة لتصل إلى 15 سنتيمتر للبيكسل الواحد فيما يعرف بالصور فائقة الجودة، وتسمح هذه الدقة بتقدير أعداد الأفراد داخل مساحات محددة، بينما تتراوح مساحة البيكسل في الصور المتوسطة بين 3 و10 أمتار، وتصل في المنخفضة إلى 30 مترًا، وتلجأ بعض الأقمار لاستخدام موجات الراديو لإنتاج صور الرادار ذات الفتحة الاصطناعية SAR التي لا تعتمد على الضوء ويمكنها التصوير ليلًا أو في ظروف السحب الكثيفة لرصد المعدات العسكرية وتحركات السفن.

تتنوع خارطة القوى في هذا المجال بوجود برنامج كوبرنيكوس Copernicus الممول من المفوضية الأوروبية والتابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي يعتمد على أقمار سنتينل Sentinel التي توفر صورًا مجانية منخفضة الدقة كل خمسة أيام تقريبًا، كما تبرز شركة أيرباص Airbus كلاعب أوروبي محوري يوفر خدمات تجارية وتحليلية منذ عام 2002، وفي المقابل ظهرت شركة ميزار فيجن MizarVision الصينية كمنافس جديد لم تتضح كامل أبعاد خدماته بعد، ويشير رصد التطور التاريخي إلى أن بلانيت بدأت بناء أرشيفها عام 2016، بينما تعود أقدم الصور منخفضة الدقة لعام 1972 ضمن برنامج لاند سات التابع لوكالة ناسا، مما يعزز قدرة الباحثين على التدقيق في الروايات المتضاربة ومساءلتها للوصول إلى الحقائق المجردة.

تستطيع الشركات تعديل سياساتها المتعلقة بتوقيت ودقة إتاحة صور الأقمار الصناعية وفقًا لتقديراتها الخاصة، وقد سبق لشركة أيرباص أن قيدت توفير الصور لمناطق داخل إسرائيل وخارج غلاف غزة، كما منعت تسليم صور مواقع تمركز القوات الإسرائيلية، وتؤثر هذه القرارات بشكل مباشر على عمل المتخصصين في التحقيقات مفتوحة المصدر، خاصة وأن الأجهزة الاستخباراتية تمتلك أقمارًا مستقلة ولا تعتمد على المزودين التجاريين، وقد ساهمت الصور الفضائية سابقًا في كشف تدمير رادارات عسكرية أمريكية بقواعد في دول الخليج والأردن لم تعلن عنها واشنطن، كما وثقت حجم الدمار في مدرسة شجرة طيبة بمدينة ميناب الإيرانية التي أقر الجيش الأمريكي باستهدافها لاحقًا بناء على معلومات وصفها بالقديمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى