مقالات وآراء

خالد مبارك العبيد يكتب: على حافة التحول.. قراءة في اللحظة الإقليمية الراهنة

في أزمنةٍ كهذه، لا تُقاس الأحداث بظاهرها، بل بظلالها الممتدة في المستقبل. فالمنطقة التي عاشت عقوداً من التقلّبات تقف اليوم على مفترقٍ دقيق، حيث تتشابك الخيوط السياسية والعسكرية والاقتصادية في لوحةٍ معقّدة، تكاد تختزل تاريخاً طويلاً من الصراع والطموح والقلق.

ما يجري حولنا ليس مجرد توترٍ عابر أو حادثةٍ يمكن احتواؤها ببيانٍ دبلوماسي أو وساطةٍ عاجلة. إننا أمام لحظةٍ تتكثف فيها تناقضات السنوات الماضية، وتظهر فيها بوضوح ملامح مرحلةٍ جديدة، قد تعيد رسم توازنات القوة في الإقليم، وتفرض على دوله وشعوبه إعادة التفكير في مفاهيم الأمن والاستقرار والتحالف.

لقد اعتادت هذه المنطقة أن تعيش بين مدٍّ وجزر؛ بين هدنةٍ هشة وتصعيدٍ مفاجئ. غير أن الفارق اليوم أن موازين القوى لم تعد ثابتة كما كانت، وأن اللاعبين لم يعودوا هم أنفسهم. فالدول الكبرى تنظر إلى الشرق الأوسط بعيونٍ مختلفة، والقوى الإقليمية تعيد ترتيب أوراقها، فيما تقف الشعوب بين القلق والترقب، تدرك أن أي شرارةٍ صغيرة قد تتحول إلى نارٍ واسعة.

في خضم هذا المشهد المضطرب، يتجلى سؤالٌ جوهري: هل نحن أمام أزمةٍ عابرة، أم أمام بداية تحولٍ استراتيجي طويل المدى؟

الجواب ليس بسيطاً. فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تأتي فجأة، بل تتشكل ببطء عبر تراكم الأحداث والقرارات والخطابات. وما نشهده اليوم قد يكون جزءاً من ذلك التراكم الذي يمهد لمرحلةٍ جديدة، تتبدل فيها خرائط النفوذ وتُعاد صياغة معادلات الردع.

غير أن وسط كل هذا الضجيج، تبقى الحقيقة الأهم أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى على منطق المواجهة الدائمة. فالتاريخ أيضاً يثبت أن الصراعات المفتوحة لا تنتج سوى مزيدٍ من الهشاشة، وأن الاستقرار الحقيقي لا يولد من فوهة السلاح، بل من عقلٍ سياسي قادر على إدراك حدود القوة وحدود المغامرة.

إن اللحظة الراهنة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والوعي؛ حكمة تدرك أن التصعيد قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، ووعياً يدرك أن المنطقة، التي عانت طويلاً من الحروب والانقسامات، لم تعد تحتمل مغامراتٍ جديدة.

ربما لا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأيام المقبلة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند عتبة مرحلةٍ مفصلية. مرحلةٍ قد تحدد شكل توازناته لسنواتٍ طويلة قادمة.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكون السؤال الأهم: ماذا يحدث الآن؟

بل: إلى أين يمكن أن يقودنا ما يحدث الآن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى