
• في خضم التصعيد العسكري على الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية، جاء الهجوم السياسي والإعلامي على الاقتراح الفرنسي القاضي باستضافة مفاوضين لبنانيين وإسرائيليين في فرنسا ليكشف حقيقة ثابتة في إدارة الأزمات في الشرق الأوسط: لا يمكن لأي مبادرة أوروبية أن ترى النور من دون ضوء أخضر من الولايات المتحدة، ورضى ضمني من إسرائيل.
• باريس، التي سارعت إلى نفي امتلاكها خطة تفاوضية مكتملة، تدرك في العمق أن دورها لا يمكن أن يتجاوز حدود الوسيط الدبلوماسي الباحث عن نافذة سياسية في جدار الحرب. لكنها في الوقت نفسه تحاول منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تفضي إلى اجتياح بري للبنان، وهو سيناريو لا يبدو مستبعداً في ظل ارتفاع منسوب العمليات العسكرية.
• غير أن قراءة المشهد من زاوية المبادرات الدبلوماسية وحدها تبدو قاصرة. فالمعادلة الفعلية تُرسم اليوم في الميدان، حيث تتقاطع حسابات القوة بين إيران وواشنطن، فيما تتحول الجبهة اللبنانية إلى أحد أبرز مسارح اختبار التوازنات بين الطرفين.
• في هذا السياق، تبدو المبادرة الفرنسية أقرب إلى محاولة استباقية لاحتواء تطورات ميدانية قد تخرج سريعاً عن السيطرة. فالمعطيات العسكرية تشير إلى أن المواجهة لم تعد مجرد اشتباك حدودي محدود، بل أصبحت جزءاً من معادلة ردع إقليمية أوسع تديرها طهران عبر شبكة حلفائها في المنطقة.
• في قلب هذه المعادلة يقف حزب الله، الذي يظهر حتى الآن قدرة واضحة على الصمود والقتال بوتيرة منظمة، رغم شدة الضربات الإسرائيلية. فالحزب لا يخوض المواجهة بمنطق رد الفعل، بل ضمن إدارة عملياتية متماسكة تعكس مستوى عالياً من التنسيق العسكري مع طهران.
• وتشير تقديرات أمنية إلى أن العمليات العسكرية على هذه الجبهة تُدار ضمن غرفة عمليات مشتركة بين الحزب وإيران، ما يفسر إلى حد بعيد دقة التوقيت في الضربات، وتدرج التصعيد بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى ضغط كافٍ على إسرائيل.
• هذا التنسيق لا يعني بالضرورة أن طهران تسعى إلى حرب كبرى، بل على العكس قد يكون هدفه تثبيت معادلة ردع تمنع إسرائيل من فرض وقائع ميدانية جديدة، خصوصاً في ما يتعلق بمحاولات توسيع العمليات البرية أو ضرب البنية العسكرية للحزب بشكل حاسم.
• من هنا، يمكن فهم التردد الأميركي في إعطاء الضوء الأخضر لأي مسار تفاوضي سريع. فواشنطن تراقب تطورات الميدان بدقة، وتحاول استخدام الضغط العسكري الإسرائيلي لتحسين شروط التفاوض، في وقت تسعى فيه إيران إلى تثبيت توازن ردع يمنع تحقيق مكاسب استراتيجية لإسرائيل.
• وسط هذه المعادلة المعقدة، تبدو المبادرة الفرنسية كأنها محاولة لفتح نافذة سياسية في لحظة لم تنضج فيها بعد شروط التسوية. فالميدان، وليس الدبلوماسية، هو الذي يحدد إيقاع المرحلة الحالية.
• ومع استمرار العمليات العسكرية، يبقى السؤال الأساسي: هل ستنجح الضغوط الدبلوماسية في كبح منطق الحرب، أم أن الصراع سيستمر إلى أن يفرض الميدان نفسه مرجعية وحيدة للتفاوض؟
• حتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن القرار لم يُتخذ بعد في العواصم الكبرى. فبين حسابات واشنطن وطهران، وبين صلابة القتال على الجبهة اللبنانية، تبدو المنطقة وكأنها تسير على حافة توازن دقيق… توازن قد يصنع في النهاية شروط التسوية، أو يفتح الباب أمام جولة أكثر خطورة من الصراع.







