تحرير أسعار الطاقة في مصر بين كلفة الاستيراد وأرباح المصانع الكبرى

تحركت الحكومة المصرية خلال الفترة الماضية نحو تعديل خارطة أسعار المحروقات والغاز الطبيعي للمصانع والقطاع المنزلي وسط متغيرات جيوسياسية معقدة أثرت على سلاسل الإمداد العالمية، وشهدت الأسواق المحلية قفزة في تكلفة الوقود بمتوسط بلغ 31% بعد وصول أسعار النفط عالميا إلى مستويات لامست 120 دولارا للبرميل قبل استقرارها النسبي حول 90 دولارا، وتعتبر هذه الموجة من الزيادات هي الأكثر حدة منذ عقد كامل حيث طالت أسعار الغاز الطبيعي للمنازل بنسب تراوحت بين 50% و70% بشكل مفاجئ.
ملامح التوجه الحكومي نحو تحرير أسعار الطاقة والوقود في الأسواق المحلية
اعتمدت وزارة البترول والثروة المعدنية سياسة جديدة لتجاوز فجوة التكاليف الناتجة عن ارتفاع أسعار صرف الدولار الذي كسر حاجز 52 جنيها وتداعيات الاضطرابات العسكرية الإقليمية، وأشار كريم بدوي وزير البترول إلى أن تكلفة استيراد الغاز من السوق الفورية ارتفعت من 12 دولارا إلى 20 دولارا للمليون وحدة حرارية، مما دفع الدولة لتحمل أعباء إضافية لتأمين احتياجات قطاع الكهرباء والقطاعات الحيوية الأخرى التي تستهلك نحو 60% من إجمالي الغاز المتاح محليا لتوليد الطاقة اللازمة للمواطنين.
أظهرت البيانات الرسمية أن قطاع الصناعة يحصل على ثلث استهلاك الغاز الطبيعي في مصر مع استمرار العمل بأسعار مدعومة رغم خطط التحرير التدريجي المقترحة، وأكد أحمد كجوك وزير المالية مع كريم بدوي على منح الأولوية للقطاع الإنتاجي لضمان استمرار النمو الاقتصادي رغم التحديات المالية الضخمة، حيث بلغت فاتورة استيراد الغاز خلال أول عشرة أشهر من العام الماضي نحو 7.2 مليار دولار لتغطية العجز الناتج عن تراجع الإنتاج المحلي من الحقول المصرية التي واجهت صعوبات فنية وتمويلية.
خريطة استهلاك الغاز الطبيعي وتوزيع الحصص بين القطاعات الإنتاجية والمنزلية
تتصدر صناعة الأسمدة والبتروكيماويات قائمة القطاعات الأكثر استهلاكا للغاز الطبيعي يليها قطاع الحديد والصلب بنسب تتراوح بين 20% و25% من إجمالي المعروض، بينما تذهب حصص ضئيلة جدا للقطاع المنزلي والسيارات في مقابل استهلاك قطاع الطاقة نفسه لنحو 11% من الغاز لعمليات الاستخراج، ويدفع المصنعون حاليا نحو 5.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية في الوقت الذي تقدر فيه الحكومة تكلفة الوحدة بنحو 9.5 دولار مما يعني استمرار الفارق السعري الكبير بين التكلفة الفعلية وسعر التوريد.
كشفت التقارير المالية عن تطور هيكل ملكية كبرى شركات الأسمدة مثل أبوقير وموبكو بعد استحواذ صناديق سيادية خليجية على حصص تصل إلى 50% من أسهمها، وحصلت الإمارات في أبريل 2022 على حصص تراوحت بين 20% و21% من هاتين الشركتين مقابل 658 مليون دولار، كما استحوذت السعودية خلال نفس العام على حصص مماثلة بقيمة 750 مليون دولار، وهو ما يعكس تحولا في طبيعة المستفيدين من أسعار الغاز المدعمة الموجهة للنشاط الصناعي والتصديري في السوق المصرية.
تتحمل الدولة المصرية ثلاثة دولارات كدعم مباشر لكل مليون وحدة حرارية يتم توريدها للمصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة لضمان تنافسيتها في الأسواق العالمية، وأوضح هشام توفيق وزير قطاع الأعمال الأسبق أن مراجعة هذا الدعم أصبحت ضرورة حتمية في ظل لجوء الدولة لاستيراد الغاز المسال بأسعار مضاعفة، خاصة وأن هذه الصناعات لا توفر فرص عمل كثيفة مقارنة بقطاع الملابس الجاهزة، حيث يعمل في شركة موبكو نحو ألف عامل فقط وشركة أبوقير نحو 2500 عامل رغم ضخامة أرباحهما العالمية.






