مقالات وآراء

عبد الرحيم علي يكتب : الإسلام وحرية الرأي والتعبير (23) جمال البنّا… لا وصاية على الحرية:


إذا كان محمد عبده قد واجه الجمود،
وشلتوت قد فتح باب الاجتهاد من داخل المؤسسة، فإن جمال البنّا ذهب خطوة أبعد، ونزع عنها أي وصاية دينية أو سياسية.
عند جمال البنّا، ليست حرية الرأي والتعبير “مساحة مسموح بها”، ولا “هامشًا تنظمه السلطة”، بل حقٌّ أصيل لا يملكه أحد ليمنحه أو يمنعه.

الإيمان… علاقة شخصية
ينطلق البنّا من فكرة مركزية:
الإيمان والكفر قضية شخصية خالصة
بين الإنسان وربه.
الدولة – أي دولة – لا تملك سلطة على القلوب، ولا ولاية لها على العقائد.
فالقرآن، في نظره، قد حسم المسألة بوضوح
في قوله تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد:40]، و{فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن:12]. الرسول مبلغ وليس موكلاً بمحاسبة الناس: الآية تطمئن النبي ﷺ بأن مسؤوليتك تنتهي عند إبلاغ الرسالة، فلا تحزن أو تضيق نفسك إذا لم يؤمنوا، أو إذا كذّبوا، فالحساب على الله، {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}.
دور الرسل أنفسهم اقتصر على البلاغ والتذكير، لا السيطرة ولا الإكراه.
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}، الغاشية (الآية 21-22).

لا إكراه… ولا استثناءات:
يرفض جمال البنّا كل محاولات الالتفاف
على مبدأ «لا إكراه في الدين».
فلا سلطة دينية، ولا مصلحة سياسية،
ولا خوف اجتماعي يبرر انتزاع حرية الاعتقاد أو التعبير.
وحتى الردّة – كما يقرأها البنّا – لم يفرض عليها القرآن عقوبة دنيوية، بل ترك أمرها
لله وحده يوم القيامة.

التعدد… إرادة إلهية:
يرى البنّا أن الاختلاف ليس خللًا في النظام الكوني، بل جزءًا من مقصده.
لو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة،
لكن التعدد – في الإيمان والرأي والفهم –
هو القاعدة لا الاستثناء.
ومن هنا، فمحاولات فرض التطابق
ليست دفاعًا عن الدين، بل اعتراضًا على سنن الله في الخلق.

الحرية قبل الدولة:
من أخطر ما ينتقده البنّا
تحويل الإيمان إلى قضية “نظام عام”.
فحين تتدخل الدولة لتنظيم العقائد،
تتحول من حارس للحقوق إلى خصم للحرية.
والنتيجة – كما يقول – دين بلا روح،
وسلطة بلا شرعية أخلاقية.

الرسول… بلا وصاية:
يستند البنّا إلى خطاب قرآني حاسم:
النبي نفسه لم يكن وصيًا على إيمان الناس.
لم يكن حفيظًا، ولا مسيطرًا،
ولا مكرهًا.
فكيف تُمنح هذه السلطة لمن هم دون مقام النبوة؟

لماذا أثار جمال البنّا الجدل؟
لأنه كسر مسلّمات مستقرة، وتحدى فقه السلطة، ونزع الغطاء الديني عن كثير من أشكال القهر.
لم يكن صوته مريحًا، ولا قابلًا للتوظيف،
ولهذا هوجم من التيارات المحافظة
ومن أنصار الدولة الدينية معًا.

ما الذي يضيفه البنّا للسلسلة؟
أنه أعاد الحرية إلى موقعها الأصلي:
حق فردي لا يقبل القسمة ولا التأجيل
ولا الوصاية.
وبهذا، أغلق الباب أمام السؤال الأخطر:
من يملك حق التفكير نيابة عن الناس؟

في الحلقة القادمة (25):
ننتقل إلى مقاربة فقهية قانونية دقيقة:
محمد سليم العوّا:
وحرية الرأي بين الدولة الحديثة، والمواطنة، والاجتهاد الدستوري في الإسلام.

يتبع،
القاهرة: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ المحروسة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى