
الأزمنة لا تتقاطع صدفة…
بل تتصافح كأنها مواعيد مؤجلة. وكذلك الأسماء لا تتشابه فقط في الحروف. أسابيع قليلة تفصلنا عن إكمال اثني عشر عامًا على انطلاق قناة الشرق من إسطنبول، وفي اللحظة نفسها نبلغ مئةً وعشرين عامًا على رحيل إبراهيم المويلحي. رقمٌ يُنادي رقمًا، واسمٌ وتاريخٌ يستدعيان توأمهما، وبينهما منبرٌ بالحبر ومنبرٌ بالصوت والصورة، وكلاهما يبحث عن عدلٍ لا يتحقق، وعن كلمةٍ لا تُصادر، وغربةٍ وصبرٍ يطول.
نعلن عن قرار مجلس إدارة شبكة راديو وتلفزيون الشرق بأن يُطلق اسم إبراهيم المويلحي على الصالون الثقافي بالشرق وعلى معهد الدراسات الإعلامية التابع لجمعية الشرق للثقافة والإعلام،
هذا القرار لم يكن فقط لفتة وفاء عابرة، بل إعلان انتماء.
انتماء إلى مدرسة ترى الصحافة والإعلام ضميرًا قبل أن تكون مهنة،
وترى المنبر وطنًا متنقلًا، لا تحدّه الجغرافيا، بل تحدّه فقط حدود العقل والشجاعة.
حكاية المويلحي لم تُكتب في سطرٍ واحد،
بل امتدت بين مدينتين وصيغتين من الوعي: (القاهرة والآستانة)، الإصلاح والثورة، الكلمة والرقابة. لم يكن اسمًا يُستدعى في الهوامش، بل كان علامةً على زمنٍ كاملٍ كان يبحث عن تعريف نفسه، ويتلمّس طريقه بين الاستبداد والإصلاح.
ميلاده كان في عام 1844 لأسرة ثرية،
وبيتٌ يعمل في التجارة وصناعة الحرير، حيث تتعلم الأيدي كيف تنسج الخيوط، ويتعلم العقل كيف يربط التفاصيل. وهناك وُلد الدرس الأول:
أن الخيط الرفيع قد يصنع ثوبًا،
وأن الكلمة العاقلة قد تصنع وطنًا.
خمس عشرة سنة قضاها في المنفى والغربة.
الآستانة لم تكن إقامة، بل كانت إعادة تشكيل كاملة. مدينةٌ تمسك بخيوط الإمبراطورية، حيث الكلمة تُوزن قبل أن تُقال، وحيث الصمت أحيانًا أكثر بلاغة من الكلام. في تلك المساحة المشدودة بين القول والمنع، تشكّلت فلسفته:
إصلاحٌ بلا تهوّر، ونقدٌ بلا تردد.
عودته إلى القاهرة بعد 15 عامًا في الغربة لم تكن رجوعًا،
بل انتقالًا إلى مرحلة أعلى من الفهم. عاد محمّلًا بخبرة مختلفة عن مفهوم الدولة من داخلها، لا من هامشها. أدرك أن العلاقة بين السلطة والمجتمع ليست معادلة صدام دائم، بل مساحة شدّ وجذب تحتاج إلى عقلٍ بارد وضميرٍ يقظ.
زمن السلطان عبد الحميد الثاني لم يكن زمن استقرار،
بل زمن توازنات دقيقة؛ إصلاحٌ محسوب، ورقابةٌ حاضرة، وهمسٌ دستوري يتسلل بين الجدران.
وسط هذا المشهد خرجت «منبر الشرق» لا كجريدة مصرية مغتربة،
بل كمساحة تنفّس لكل العرب، تكتب أحيانًا في المنطقة الرمادية بين الولاء والنقد، بين الشرعية والرقابة، وفي معظم الأحيان تفصح عمّا وراء الخطوط الحمراء.
لم يختر المويلحي دائمًا طريق المواجهة الصاخبة،
ولم يقبل طريق الصمت المريح. اختار طريقًا ثالثًا نادرًا: أن يعارض دون أن يهدم، وأن ينتقد دون أن يُقصي، وأن يُذكّر بأن الدولة لا تستقيم بالقوة وحدها، بل بالعدل الذي يحميها من نفسها.
كتاباته لم تكن مقالات، بل مرايا،
تُظهر ملامح الخلل دون أن تصرخ، وتُشير إلى الطريق دون أن تدّعي امتلاكه. كان يعرف أن الكلمة الهادئة، إذا صدقت، قد تكون أكثر تأثيرًا من صراخٍ مرتفعٍ بلا معنى.
لم يكن مداهنًا، ولم يكن صداميًا،
كان إصلاحيًا بمعناه النادر: يؤمن بأن الهدم ليس شجاعة، وأن البناء البطيء قد يكون أكثر ثورية من الصراخ السريع.
في رؤيته، لم تكن الحرية السياسية رفاهية،
بل ضرورة وجود. العقل عنده ليس ترفًا، بل شرط بقاء. واسم الشرق لم يكن خريطة، بل مشروعًا حضاريًا يتعلّم من الغربة دون أن يذوب، ويأخذ منها دون أن يفقد هويته ونفسه.
«منبر الشرق» لم تكن مجرد جريدة،
أربع صفحات، أعمدة بلا صور، لكنها كانت أوسع من خرائط كثيرة. من إسطنبول إلى القاهرة وبيروت ودمشق، كانت الكلمة تسافر حيث لا تسافر الجيوش. الصفحة الرابعة، برسائلها، كانت أشبه بنبضٍ عربيٍّ مبكر، يتشكّل قبل أن يُسمّى.
حولها تشكّلت شبكة من القرّاء،
حوارٌ ممتد، جدلٌ حي، مراجعات مستمرة. لم تكن جريدة محلية، بل بداية وعي عربي مشترك داخل قلب عالم يتغيّر.
بينما كانت الصحافة في مصر مقيّدة بالاحتلال البريطاني،
اختار المويلحي زاوية مختلفة: إصلاحٌ من الداخل، لا قطيعة مع الواقع. رؤية تُدرك أن الدولة، مهما اختلّت، لا تُبنى من الصفر كل مرة.
في هذا الاختيار تتجلّى ملامح ليبرالية مبكرة في فكره،
قوامها: حرية القول، مركزية العدل، دولة قانون لا دولة أشخاص، ومجتمع يُحاسب بالعقل لا بالغريزة.
التجربة لم تكن معزولة،
بل جزء من حركة فكرية عربية واسعة، تتجادل مع أوروبا، وتنتقد ذاتها، وتبحث عن مكانٍ لائقٍ في عالمٍ يتغير بسرعة لا ترحم المتأخرين.
الإصلاح الذي آمن به كان أشبه بزرعٍ خفي تحت المطر،
لا يُرى سريعًا، لكنه يغيّر الأرض. «منبر الشرق» كانت من هذا الزرع الذي لا يُقاس بعمره، بل بما يتركه من أثر.
رحيله في مارس 1906 لم يكن نهاية،
بل انتقالًا من حضورٍ مباشر إلى أثرٍ ممتد. الحبر الذي تركه لم يجف، لأنه لم يكن حبرًا عابرًا، بل فكرة قابلة لإعادة الاكتشاف حتى بعد مرور 120 عامًا من الغياب.
ابنه، محمد المويلحي، لم يرث الجريدة فقط،
بل ورث الرسالة، ونقل النقد إلى سخرية السرد في «حديث عيسى بن هشام».
تجربته في الآستانة لم تكن هروبًا من مصر،
بل تدريبًا على رؤية الصورة من مركزها.
اليوم أوجّه خالص التهنئة لزملائي في تلفزيون الشرق،
وإلى جمهور الشرق الواسع في مصر وفي كل البلدان العربية.
قناة الشرق لم تختَر طريقًا سهلًا،
بل اختارت المساحة الأصعب: حيث يكون النقد مسؤولية.
الإعلان اليوم ليس فقط عن إطلاق اسم المويلحي،
بل عن شراكة علمية لتأسيس معهد إعلامي معتمد.
في العام الثالث عشر، لا يعود













