د. أيمن نور يكتب: الغابة ومنطق العصابة

تتوارى القواعد حين تعلو الغرائز، ويبهتُ صوتُ القانون حين تتقدم لغةُ السلاح… هكذا تبدو المنطقة اليوم، لا تُدار بمنطق الدولة، بل بمنطق العصابة؛ حيث يُستبدل الاحتكام إلى القانون الدولي بثقافة الإفلات من العقاب، ويُعاد تعريف القوة بوصفها حقًا مطلقًا لا يقيده نص ولا تردعه قيمة.
اغتيالُ الشخصيات السياسية، خارج ميادين القتال، جريمةٌ لا يجيزها قانونٌ ولا تُبررها ضرورة؛ فالقانون الدولي الإنساني، في جوهره، يقوم على مبدأ حماية من لا يشاركون مباشرةً في الأعمال العدائية، وهو ما كرسته اتفاقيات جنيف لعام 1949، التي تلزم أطراف النزاع باحترام المدنيين وعدم استهدافهم، أو تعريضهم لأعمال عنفٍ مقصودة.
مبدأُ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، أحد الأعمدة الأساسية في القانون الدولي، يتعرض اليوم لانتهاكٍ صارخ؛ فالبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 ينص بوضوح على حظر الهجمات التي تستهدف المدنيين، أو التي لا تميز بين هدفٍ عسكري وآخر مدني، كما يُحرم الهجمات العشوائية التي لا يمكن حصر آثارها.
مبدأُ التناسب، الذي يفرض أن تكون القوة المستخدمة متناسبةً مع الهدف العسكري المشروع، يُنتهك كذلك حين تُستخدم أسلحة أو وسائل قتال تؤدي إلى خسائر بشرية واسعة في صفوف المدنيين، بما يتجاوز أي مبررٍ عسكري معقول… وهو ما يجعل كثيرًا من هذه العمليات أقرب إلى جرائم حرب، لا إلى أعمال عسكرية مشروعة.
العقابُ الجماعي، الذي يُفرض على شعوبٍ بأكملها عبر الحصار أو التدمير الواسع للبنية التحتية، يقف في تعارضٍ مباشر مع المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر صراحةً معاقبة الأشخاص المحميين على أفعالٍ لم يرتكبوها… ومع ذلك، تُعامل المجتمعات بأسرها وكأنها خصمٌ واحد، في تجاهلٍ كامل لفردية المسؤولية.
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يضع تعريفًا واضحًا لجرائم الحرب، يشمل تعمد توجيه هجمات ضد المدنيين، أو ضد منشآت مدنية، أو شن هجمات مع العلم بأنها ستسبب خسائر بشرية مفرطة مقارنةً بالميزة العسكرية المتوقعة… ومع ذلك، تتكرر هذه الأفعال دون محاسبةٍ تُذكر، وكأن النصوص وُضعت للزينة لا للتطبيق.
ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الثانية، يُلزم الدول بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، ويجعل اللجوء إلى القوة استثناءً محدودًا، محكومًا بضوابط صارمة… لكن هذا الاستثناء تحول إلى قاعدة، وتحوّل النص إلى ذكرى، في عالمٍ تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق القوة لا بمنطق الشرعية.
ما ذنبُ الشعوب التي تُحاصر تحت سقف النيران؟ ما ذنبُ أطفالٍ لم يختاروا هذه الحروب، ولا هذه الاصطفافات؟ أيُّ عدالةٍ هذه التي تقتل بلا ثمن، وتُدمّر بلا حساب، وتترك الدم بلا قاضٍ، ولا شاهدٍ، ولا حتى اعترافٍ بالجريمة؟
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وقوع هذه الانتهاكات، بل في تطبيعها؛ حين يصبح الاغتيال السياسي خبرًا عابرًا، وتُقدَّم الضربات ضد المدنيين كضرورة، ويُبرَّر العقاب الجماعي كأداة ضغط، فإن العالم لا يفقد توازنه فقط، بل يفقد معناه… لأن القاعدة التي تحمي الجميع قد سقطت، ومن يسقط اليوم قد لا يكون الأخير.
منطق الغابة لا يصنع أمنًا، ومنطق العصابة لا يبني دولًا؛ القوة التي لا تُقيدها قواعد، ولا تضبطها أخلاق، تتحول إلى عامل هدمٍ دائم، يفتح أبواب الانتقام، ويغلق أبواب العدالة… وفي هذا الفراغ، لا ينتصر أحد، بل يخسر الجميع، وإن تأخر الحساب.
الحقيقة التي لا يجوز الهروب منها، أن اغتيال الشخصيات السياسية جريمة، والعدوان على الآمنين جريمة، والعقاب الجماعي جريمة… وأن انتهاك نصوص القانون الدولي والمواثيق الأممية—مهما كان مبرره—هو اعتداءٌ على فكرة العدالة ذاتها؛ وإذا سقطت العدالة، فلن يبقى من العالم سوى غابةٍ أكبر، وعصاباتٍ أكثر.







