
كنت في الماضي أتشكك في قيمة الدعاء وأسخر في داخلي من جملة “إدعي لي” لكني بالنضج والعلم والقراءة في الفيزياء الكمية والفلسفة، غيرت رأيي في الدعاء.
الدعاء بالخير هو طاقة إيجابية يتم إطلاقها من البعض لتملأ سماء الأسرة والمجتمع والوطن والبشرية كلها.
وهناك طاقة جمعية يمكن أن تتكون في المحيط عندما يفكر ويدعو عدد كبير من الناس سويًا في وقت واحد إيجابًا.
لذلك فإن دعائي اليوم لكم هو: “لعل كل الطاقة السلبية التي تثقلك تصل إلى نهايتها.
لعل الأفكار السوداوية، والإفراط في التفكير، والشك يغادر عقلك الآن.
لعل الوضوح يحل محل الارتباك. لعل الأمل يحل محل الخوف. لعل نور روحك يتألق وأن لا يخفت بريقك.
فكر إيجاباً يأتيك أفضل ما لك ويظهر أجمل ما فيك ويرتفع الناس لمستوى حسن ظنك فيهم.
طاقة الدعاء: بين الإنسان والكون تستحق الدراسة فما هي حدود الدعاء؟ ما الذي يغيّره الدعاء.. وما الذي لا يغيّره؟
بعد أن تتضح حقيقة الدعاء كطاقة إنسانية تتدفق بين القلوب، وكقيمة نفسية وروحية قادرة على تغيير الإنسان من الداخل، يبقى السؤال الذي يطرحه العقل بجرأة: ما هي حدود هذه القوة؟
ماذا يستطيع الدعاء أن يفعل؟
وماذا يعجز عن فعله؟
أين يقف أثر الوعي، وأين تبدأ قوانين الكون التي لا تخضع لرغبات البشر؟
هذا الجزء من المقال يحاول أن يرسم بوضوح الحدود بين الدعاء كقوة داخلية، وبين الطبيعة كقانون خارجي، حتى لا يقع الإنسان في الوهم، ولا يتحول الدعاء إلى بديل عن العلم والفعل، ولا تُحمّل الروح ما ليس من اختصاصها.
علينا أن ندرك أن الدعاء قوّة موجّهة نحو الإنسان وليس نحو قوانين المادة.
إن الدعاء — مهما كان صادقًا وعميقًا — لا يغيّر قوانين الفيزياء أو الجيولوجيا أو البيولوجيا.
الزلازل لا تتوقف بالدعاء. البراكين لا تجمّدها الأمنيات. الأعاصير لا تغيّر مسارها بتضرع البشر. والأوبئة لا تزول دون إجراءات علمية ومجتمعية.
هذه الظواهر محكومة بقوانين ثابتة خلقها الله ووضعها في الكون، ولم يجعلها تستجيب لرغبات الأفراد، وإلا تحولت الطبيعة إلى فوضى.
لكن الدعاء مع ذلك يظل قوة هائلة — ليس على الطبيعة، بل على الإنسان. إنه يغيّر الذات لا الكون الخارجي.
هناك حكمة في أن قوانين الكون لا تتبدل بالدعاء، فلو كانت الطبيعة تستجيب لأمنيات البشر، لكانت البحار تجف كلما خاف الناس من فيضان، والجبال تتوقف عن الزلازل كلما دعا أهل الأرض، والأعاصير تنصرف حين يرفع المتضررون أكفّهم.
لكن هذا لا يحدث، لأن النظام الكوني لا يقوم على المشاعر، بل على قوانين دقيقة تحفظ التوازن بين الحياة والموت، وبين البناء والانهيار، وبين الثبات والتغيير.
الدعاء، في الحكمة الإلهية، لم يُخلق ليكون سلاحًا ضد الطبيعة، بل ليكون جسرًا بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الآخر، وبينه وبين السماء.
ماذا يفعل الدعاء إذن؟
الدعاء لا يغيّر مسار الإعصار، لكنّه يغيّر قدرة الإنسان على مواجهته.
لا يمنع انتشار الوباء، لكنّه يعزّز تماسك المجتمعات ويخفّض الخوف ويقوّي العزيمة.
لا يوقف كارثة طبيعية، لكنّه يصنع حكمة إنسانية في التعامل معها، وشجاعة داخلية في مواجهتها، وبصيرة تجنب الأخطاء التي تزيد الكارثة سوءًا.
الدعاء يغيّر: قلب الإنسان وطاقته ووعيه وسلوكه وعلاقته بالعالم.
وهذه التغييرات— برغم كونها غير مادية— هي التي تحدد قدرة الناس على الصمود.
الدعاء يغيّر الكائن الحي.. لا الكوكب.
الدراسات النفسية والعصبية تؤكد أن الدعاء والدعم الروحي: يخفضان الكورتيزول (هرمون التوتر) يرفعان الأوكسيتوسين (هرمون التعاطف) يقوّيان الجهاز المناعي يرفعان عتبة التحمل يزيدان الاستقرار الانفعالي يساعدان على التفكير السليم تحت الضغط هذه كلها تغييرات قابلة للقياس.
أما حركة الصفائح الأرضية، أو ممرات الأعاصير، أو موجات الفيروسات، فلا تتغير إلا بالقوانين الكونية التي وضعتها الطبيعة.
هنا نجد الفارق الجوهري: الإنسان يتغير بالدعاء، والطبيعة تتغير بالقوانين. فالدعاء ليس بديلاً عن العلم.. بل حليفًا له.
حين يمر العالم بكارثة: لا تكفي الدعوات دون علم ولا يكفي العلم دون روح ولا يتحقق الخلاص دون سلوك جمعي واعٍ ولا تصمد المجتمعات دون سند نفسي وروحي
الدعاء هنا ليس استبدالًا بالعلم، بل هو الدعم الداخلي الذي يساعد الإنسان على العمل، والثبات، واتخاذ القرار، وتحمّل الألم، والمحافظة على الأمل حين تشتد الظروف.
إنه طاقة معنوية تعضد الجهد العقلي والعلمي، لا أن تلغيه في الكوارث الكبيرة كالزلازل والفيضانات والأوبئة: الدعاء يهدئ الهلع ويمنح الشجاعة ويوحّد الجماعة.
الدعاء قد يرفع المعنويات ويجعل الناس أكثر تعاونًا ويقلل السلوك العدواني ويمنح المصابين قوة داخلية للنجاة، هذه ليست نتائج ثانوية، بل هي عوامل حاسمة في خفض الخسائر البشرية.
فالكارثة الطبيعية شطرها علم، وشطرها الثاني كيف يتصرف الإنسان.
والدعاء هنا يغيّر “كيف يتصرف”، وليس “ما يحدث في الطبيعة”.
يخطئ الكثيرين حين يحمّلون الدعاء ما ليس من طبيعته؟ لأن الإنسان أحيانًا يخلط بين الرجاء الروحي و التأثير المادي.
فيرجو أن يمنع الدعاء: كارثة مناخية أو وباءً عالميًا أو زلزالًا مدمّرًا أو قدرًا محتومًا، لكن الحكمة تقول إن الدعاء لم يُخلق ليوقف قانون الطبيعة، بل ليُوقف انهيار الإنسان أمام الطبيعة.
أن يمنحه القوة للقبول، والوعي للتصرف، والشجاعة للنهوض.
عندما نحمّل الدعاء ما ليس في طبيعته، نظلم الدعاء… ونظلم العلم… ونظلم أنفسنا.
قوة الدعاء تظهر عظمتها حين تُفهم في مكانها الصحيح: هو ليس “زرًّا سحريًا” يضغطه الإنسان ليغيّر ما لا يُغيَّر، بل هو “نافذة داخلية” تفتح الإنسان على: السلام الصبر. قد يعطيه الوعي القوة الصمود والحكمة والقدرة على العطاء واستعادة التوازن إنه جزء من نظام الإنسان الداخلي، لا جزء من منظومة الجيولوجيا والمناخ والكيمياء الكونية.
فحين يعرف الإنسان أن الدعاء لا يغيّر قوانين الكون، ولكنه يغيّره هو نفسه، يصبح الدعاء مصدر قوته الحقيقي.. لا هروبه من الواقع.
المصدر: بوابة “الحرية” الإخباري







