
المعتصم الكيلاني
في خضم التحولات العميقة التي شهدتها سوريا منذ اندلاع الثورة السورية، برزت لدى قطاعات واسعة من السوريين رؤية واضحة لدولة مستقبلية تقوم على أسس مغايرة لما كان قائمًا في ظل حكم بشار الأسد. هذه الرؤية لا تختزل في تغيير السلطة السياسية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى بناء “جمهورية” حقيقية، تُجسّد إرادة الشعب وتؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على الحرية والعدالة والمواطنة.
إن مفهوم الجمهورية الذي يطمح إليه السوريون يرتكز على مبدأ أساسي هو أن الشعب مصدر السلطات. فالدولة المنشودة ليست أداة بيد فئة أو حزب، بل كيان جامع لكل المواطنين، تُدار شؤونه عبر مؤسسات منتخبة تعبّر عن الإرادة العامة. وفي هذا السياق، تصبح المواطنة حجر الزاوية، حيث يتساوى جميع الأفراد في الحقوق والواجبات دون تمييز، ويُلغى أي شكل من أشكال الامتيازات المبنية على الانتماء الضيق.
غير أن الوصول إلى هذه الجمهورية لا يمكن أن يتحقق بشكل فوري، بل يمر حتمًا عبر مرحلة انتقالية تُعدّ من أكثر المراحل حساسية وخطورة. فهذه المرحلة ليست مجرد جسر زمني بين نظامين، بل هي عملية تأسيسية يجب أن تُبنى بعناية لتجنب إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة. ومن هنا تبرز ضرورة أن تكون المرحلة الانتقالية مُصمَّمة خصيصًا لتهيئة الظروف الكاملة لقيام الجمهورية بكل معاييرها.
تتطلب هذه المرحلة أولًا تفكيك البنى السلطوية التي كرّست الاستبداد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية وقانونية. فلا يمكن الحديث عن جمهورية في ظل أجهزة غير خاضعة للمساءلة أو قضاء غير مستقل. لذلك، يُعدّ إصلاح القطاع الأمني، وضمان استقلال السلطة القضائية، وإعادة هيكلة الإدارة العامة خطوات أساسية لا غنى عنها.
كما ينبغي أن تضمن المرحلة الانتقالية الالتزام المطلق ب إطار دستوري مؤقت يمهّد لصياغة دستور دائم يعكس تطلعات السوريين. هذا الدستور الدائم يجب أن يؤسس لفصل حقيقي بين السلطات، ويكفل الحقوق والحريات الأساسية، ويمنع تركيز السلطة في يد جهة واحدة. ولا يمكن تحقيق ذلك دون مشاركة واسعة من مختلف مكونات المجتمع في عملية صياغته، بما يعزز الشعور بالملكية المشتركة لهذا العقد الوطني.
إلى جانب ذلك، تُعدّ العدالة الانتقالية عنصرًا محوريًا في تهيئة البيئة المناسبة للجمهورية. فمعالجة إرث الانتهاكات لا تقتصر على المحاسبة، بل تشمل أيضًا كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وبناء ذاكرة جماعية تضمن عدم تكرار ما حدث. وبدون هذه الخطوات، ستبقى الجراح مفتوحة، مما يهدد أي مشروع سياسي مستقبلي.
ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة خلق بيئة سياسية تعددية خلال المرحلة الانتقالية، تسمح بظهور قوى سياسية جديدة تعبّر عن المجتمع بكل تنوعه. فالتعددية ليست ترفًا، بل شرط أساسي لقيام نظام ديمقراطي قادر على الاستمرار. وهذا يتطلب ضمان حرية التنظيم والتعبير، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في نهاية المرحلة الانتقالية.
كما يجب أن تترافق هذه العملية مع جهود لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي مهمة معقدة تتطلب شفافية في إدارة المرحلة الانتقالية، ومشاركة حقيقية للمواطنين في صنع القرار. فالجمهورية لا تُبنى فقط عبر النصوص القانونية، بل عبر علاقة جديدة تقوم على الثقة والمسؤولية المتبادلة.
في النهاية، يمكن القول إن المرحلة الانتقالية تمثل الاختبار الحقيقي لمستقبل سوريا. فإذا أُديرت بشكل صحيح، يمكن أن تؤسس لجمهورية تحقق تطلعات السوريين في الحرية والكرامة. أما إذا أُهملت أو أُديرت بطريقة ارتجالية، فقد تعيد إنتاج الأزمات نفسها بأشكال مختلفة. لذلك، فإن نجاح المشروع الجمهوري في سوريا مرهون بمدى القدرة على جعل المرحلة الانتقالية عملية تأسيسية شاملة، تضع الأسس الصلبة لدولة حديثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.






