تحولات المشهد العسكري والسياسي السوداني وتأثيرات الصراع الميداني على هيكلة مؤسسات الدولة

تتصاعد حدة المواجهات المسلحة في السودان مع سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة بارا بولاية شمال كردفان مرة أخرى، وجاء هذا التطور الميداني بعد مرور عشرة أيام فقط من استعادة الجيش السيطرة على المدينة، حيث نفذت قوات الدعم السريع هجوما واسعا عبر محورين باستخدام غطاء من الطائرات المسيرة، مما دفع القوات المسلحة لتنفيذ إعادة تمركز في أطراف مدينة الأبيض نتيجة غياب الدفاعات الجوية الفعالة التي جعلت المواقع مكشوفة أمام الضربات الجوية، وسجلت التقارير مقتل 12 مدنيا في مناطق شمال بارا عقب هذه التحولات العسكرية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
تتزامن هذه التحركات الميدانية مع قرارات إدارية حاسمة أصدرها رئيس الوزراء كامل إدريس في الثاني عشر من شهر مارس الجاري، حيث تضمنت القرارات إقالة مسؤولين رفيعي المستوى وحل مجالس إدارات الهيئات العامة والشركات المملوكة للدولة، ويهدف هذا الإجراء إلى إعادة ضبط مركز القرار الإداري ومعالجة تداخل الاختصاصات التي ظهرت بين رئاسة الوزراء وعضو مجلس السيادة إبراهيم جابر حول ملفات حيوية، كما تسعى هذه التوجهات الحكومية إلى تقليص نفوذ بعض التيارات داخل مؤسسات الدولة لضمان استقلالية القرار الإداري والمالي في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد حاليا.
يشهد المسار السياسي تحركات مكثفة من رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان لبناء قاعدة سياسية جديدة، حيث عقد البرهان اجتماعا مع قوى ثورية مرتبطة بحراك ديسمبر 2018 ومن بينها التيار الوطني للتباحث حول مستقبل العملية السياسية، وتركزت النقاشات على إيجاد غطاء سياسي يعزز الشرعية الداخلية ويخفف من حدة الضغوط الخارجية المتزايدة، مع التأكيد على ضرورة بناء مؤسسات وطنية تتجاوز الانتماءات الحزبية الضيقة، وفي هذا السياق أعلن مساعد القائد العام ياسر العطا عن بدء إجراءات دمج كافة القوات المتحالفة مع الجيش ضمن هياكل المؤسسة العسكرية الرسمية لتوحيد القرار الأمني.
تمتد رقعة الصراع إلى المناطق الحدودية مع تشاد حيث سيطرت قوات الدعم السريع على بلدة كرنوي في شمال دارفور، وأدت هذه الاشتباكات إلى تدفق أعداد كبيرة من الجرحى نحو الأراضي التشادية حيث استقبلت المراكز الصحية 123 مصابا توفي منهم 17 شخصا، كما شهدت مدينة الطينة الحدودية تصعيدا عسكريا كبيرا تضمن تبادلا للسيطرة بين الأطراف المتصارعة، ووقعت ضربة جوية استهدفت تجمعا في الجانب التشادي أدت لسقوط 15 قتيلا، مما دفع السلطات في إنجامينا لعقد اجتماع أمني طارئ برئاسة محمد إدريس ديبي لاتخاذ تدابير لحماية الحدود من تداعيات القتال المستمر.
تستمر العمليات العسكرية في جنوب كردفان حيث تصدى الجيش لهجوم مشترك نفذته قوات الدعم السريع وحركة تحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو، وتركزت المواجهات في مدينة الدلنج التي تعرضت لقصف مدفعي وهجمات برية من محاور متعددة قبل أن تنجح القوات المسلحة بمساندة المتطوعين المحليين في صد الهجوم، وتكشف هذه التطورات عن تعقيد المشهد الميداني وتداخله مع المسارات السياسية والإدارية التي يحاول من خلالها كامل إدريس وعبد الفتاح البرهان إعادة ترتيب أوراق الدولة السودانية لمواجهة التحديات الراهنة وضمان استقرار المؤسسات الوطنية في ظل الصراع.





