تداعيات الصراعات الإقليمية على استقرار بنية الاقتصاد المصري وتحديات الإدارة المالية الراهنة

تتصاعد التحذيرات من هشاشة بنية الاقتصاد المصري أمام الهزات الخارجية العنيفة، خاصة مع اندلاع مواجهات عسكرية واسعة النطاق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وهو ما وضع المنظومة المالية المحلية في اختبار حقيقي كشف عن فجوات هيكلية تراكمت عبر سنوات من الاعتماد المفرط على الخارج، وتؤكد المؤشرات أن الأزمة الراهنة تعود في جوهرها إلى سياسات داخلية منحت الأولوية لمشروعات إنشائية ضخمة على حساب القطاعات الإنتاجية الحقيقية.
تتبنى الحكومة نهجا اقتصاديا يعتمد بشكل مكثف على تدفقات الأموال الساخنة، حيث يتم جذب الاستثمارات في أدوات الدين بفوائد مرتفعة وصلت إلى نحو 30%، وهي استراتيجية تجعل الاقتصاد المصري عرضة لتقلبات حادة بمجرد حدوث أي توتر جيوسياسي في المنطقة، وتسببت هذه السياسة في فقدان الجنيه نحو 80% من قيمته خلال عقد واحد، مع تكرار موجات التعويم التي أرهقت الاحتياطي النقدي واستنزفت الموارد المخصصة لخدمة الديون المتراكمة بشكل متزايد.
معضلة الإنفاق على المشروعات الكبرى وتراجع القطاعات الإنتاجية
توسعت الدولة خلال العقد الأخير في ضخ مئات المليارات في مشروعات البنية التحتية، والمدن الجديدة، والجسور، التي يراها متخصصون مشروعات استعراضية لم تحقق عائدا اقتصاديا مباشرا يسهم في سداد كلفة اقتراضها، وقد أدى هذا التوجه إلى تراجع دور القطاع الخاص بشكل ملحوظ أمام هيمنة المؤسسة العسكرية والجهات التابعة للدولة على مفاصل النشاط التجاري، مما أضعف التنافسية وأثر سلبا على كفاءة توزيع الموارد المالية المحدودة المتاحة في السوق المحلي.
تواجه الموازنة العامة ضغوطا مضاعفة نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة والغذاء، حيث تظل مصر مستوردا صافيا للمنتجات البترولية والقمح رغم الاكتشافات المعلنة، وتتزامن هذه الضغوط مع اضطرابات الممرات البحرية التي قلصت إيرادات قناة السويس بشكل حاد، مما يعزز الاستنتاج بأن الاقتصاد المصري يعاني من أزمة إدارة عميقة سبقت اشتعال الحرب، وتتمثل في إهمال الزراعة والصناعة مقابل التوسع في إنفاق حكومي غير منتج يعتمد كليا على الاقتراض الخارجي.
تؤكد التقارير الدولية ومنها رصد مؤسسة فيتش سوليوشن أن مصر تقع في مرتبة متقدمة عالميا من حيث مخاطر التعرض لخسائر النزاعات المسلحة، ليس فقط لموقعها الجغرافي بل بسبب الخلل الهيكلي الذي جعل الاقتصاد المصري شديد التأثر بالصدمات، ويستفيد من هذا الوضع شبكة من المستوردين الذين يفضلون العمولات السريعة على حساب التصنيع المحلي، مما يجعل أي اضطراب في أسعار النفط العالمية يهدد بزيادة العجز التجاري بمليارات الدولارات سنويا ويفاقم معاناة الموطنين.






