
ونحن في العشر الأواخر من رمضان، يكثر الحديث عن “أفضل الأوقات للدعاء”، وعن ساعاتٍ يُقال إن السماء تكون فيها “مفتوحة”، أو إن “الإرسال فيها يصل بلا انقطاع”، وكأن العلاقة بين الإنسان وربه تشبه شبكة اتصال تنتظر لحظة صفاء الإشارة. أقرأ وأستمع وأشاهد هذه الأقاويل، وأجد نفسي متعجبًا من الطريقة التي يتخيل بها البشر خالق الكون.
العشر الأواخر من رمضان مثلًا زمنٌ عظيم في الوجدان الديني البشري، وأن ليلة القدر لحظة روحانية عميقة في تجربة المؤمن. لكن السؤال الذي يستحق التأمل ليس في قيمة هذه اللحظات، بل في تصورنا نحن حين نتحدث عنها.
هل يحتاج الله إلى مواعيد محددة ليفتح باب السماع والاستماع؟وهل ينتظر الخالق المطلق ساعاتٍ معينة ليتلقى دعاء خلقه؟
إننا كثيرًا ما نقع في خطأ إنساني قديم: نقيس المطلق بمقاييسنا المحدودة.فالإنسان يعيش داخل الزمن، ولذلك يتخيل أن كل شيء محكوم بالزمن.لكن الله – كما نفهمه عقليًا وروحيًا – خالق الزمن نفسه.
الزمن بالنسبة لنا هو تعاقب اللحظات: ماضٍ وحاضر ومستقبل.أما بالنسبة للخالق، فلا معنى لأن نقول “قبل” أو “بعد”.فالذي خلق الزمن لا يمكن أن يكون أسيرًا له.
حين نقول إن الدعاء يُسمع في وقت دون وقت، فإننا – دون أن نشعر – نحوّل الله إلى كائن ينتظر ساعات العمل، ونحوّل العلاقة الروحية معه إلى نظام مواعيد.
لكن الحقيقة الأعمق ربما تكون أبسط من ذلك بكثير.
الله ليس قريبًا منا في وقت دون آخر.إنه – في التصور القرآني – أقرب إلينا من حبل الوريد.وإذا كان القرب بهذه الدرجة، فكيف يحتاج إلى موعد؟
ربما تكون قيمة تلك الأوقات الخاصة – كالعشر الأواخر أو لحظات السحر – ليست لأنها تفتح باب الله، بل لأنها تفتح قلوبنا نحن.فالإنسان هو الذي يحتاج إلى مواسم يتذكر فيها، ويحتاج إلى طقوس تعينه على التركيز والصفاء.
إذن فالمواسم ليست لتنظيم علاقة الله بنا، بل لتنظيم وعينا نحن.
لكن الخطر يبدأ حين ننسى هذا المعنى، ونظن أن الله ينتظر تلك اللحظات كي يسمعنا. عندها نكون قد نقلنا تصورنا لله من مستوى المطلق إلى مستوى الكائن المحدود، الذي يعمل وفق جداول زمنية.
والحقيقة أن الخالق الذي أبدع هذا الكون اللامتناهي لا يمكن أن يُحصر في ساعة، ولا أن يُختزل في لحظة محددة من اليوم أو الليل.
إن الله – في جوهر الفكرة الإيمانية – حضور دائم، لا ينقطع، ولا يحتاج إلى توقيت.
ربما كان المطلوب منا أن نغيّر السؤال.بدل أن نسأل: متى يسمع الله دعاءنا؟نسأل: متى نكون نحن مستعدين لأن نسمع حضوره؟
فالإنسان هو الذي يغيب… لا الله.والقلب هو الذي ينشغل… لا السماء.
ولهذا فإن لحظة الصدق في الدعاء قد تكون في منتصف الليل، أو في زحام النهار، أو في لحظة صمت عابرة بين فكرتين.
إنها اللحظة التي يحضر فيها الإنسان بكليته.
والإيمان الناضج لا يجب أن يحجّم الله داخل تصورات بشرية ضيقة، بل يحاول أن يحرر العقل من هذه الصور الصغيرة.
فالله ليس فكرة زمنية، ولا نظام إشارات، ولا مواعيد استقبال.
إنه الحقيقة المطلقة التي لا يحدها زمن…ولا تحيط بها ساعات.
المصدر: موقع إيجبتك الإخباري







