شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: رسالة تميم… صوت يعبر اللحظة ليلامس ضمير الأمة


رسالةٌ نشرها اليوم الشاعر الكبير تميم البرغوثي أعادت ترتيب المشهد من جديد، لا باعتبارها موقفًا عاطفيًا، بل قراءة واعية تُسمّي الأشياء بأسمائها، وتكشف ما وراء الضجيج من حقائق تُدركها العقول قبل أن تُعلنها الوقائع.
كتب تميم بوضوح لافت:
“هناك أصوات وازنة… من وزراء خارجية ذوي خبرة طويلة، ومن أمراء وأبناء ملوك… تقول بوضوح إن هذه حرب إسرائيل.”
ما طرحه تميم لم يكن توصيفًا للحرب الدائرة فقط، بل تفكيكًا لهندستها: من بدأها، ومن يُدير مسارها، ومن يُراد له أن يدفع كلفتها، ومن يُستدرج إليها دون أن يختار.
أشار صراحة إلى أسماء بعينها، لمواربة فيها ولا تلميح:
حمد بن جاسم آل ثاني من قطر،
تركي الفيصل آل سعود من السعودية،
بدر البوسعيدي من سلطنة عمان،
وهاكان فيدان من تركيا.
ثم يضع خلاصة هذا الإدراك:
“هذه الأصوات تحسن تقدير الحال… ورؤيتها للمستقبل دقيقة.”
قراءة هذه الأسماء معًا ليست تفصيلًا عابرًا، بل دلالة على أن الإقليم بدأ يلتقط إشارات الخطر، وأن مدارس سياسية مختلفة تلتقي عند إدراكٍ واحد:
أن ما يجري ليس مجرد حرب… بل مشروع لإعادة تشكيل المنطقة.
يضيف تميم في صياغة حاسمة:
“إسرائيل تريد تدمير الجميع… خصومها، ومن تطمع في وراثتهم، وحتى من يرعى منابر الأمة الإعلامية.”
عبارةٌ تختصر المشهد كله، وتكشف أن الدائرة أوسع مما يُتصور، وأن الاستهداف لا يتوقف عند حدود الصراع التقليدي، بل يمتد إلى كل من يمتلك تأثيرًا أو موقعًا أو ثقلًا في هذا الإقليم.
أخطر ما في هذا المسار أنه لا يفرّق بين من يعارض ومن يهادن… الكل داخل الدائرة، والكل مرشح لأن يكون جزءًا من كلفة الصراع.
في قلب هذه الرؤية، يطرح تميم طريقًا مغايرًا:
“تدعو هذه الأصوات إلى منظومة دفاعية إقليمية.”
تلك ليست مجرد فكرة سياسية، بل محاولة لاستعادة القرار، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة تعريف العلاقة بين دول المنطقة بعيدًا عن الارتهان لقوى خارجية.
الإقليم الذي يترك أمنه لغيره…
يستيقظ يومًا ليجد أن مستقبله لم يعد بيده.
ويصل تميم إلى نتيجة قاطعة:
“من بدؤوا هذه الحرب… لن يكسبوها، بل قد خسروها.”
حكمٌ لا يتوقف عند التوقع، بل يتأسس على قراءة لمسارٍ لا يمكن أن ينتهي بانتصارٍ نظيف، بل باستنزافٍ شامل، يطال الجميع بدرجات مختلفة.
خلف هذه القراءة السياسية، يقف مشهد إنساني بالغ القسوة، حيث تتحول البراءة إلى ضحية، والحياة إلى رقم، والدم إلى خبر عابر.
كل روح تُزهق في هذه الحرب…
هي شهادة إضافية على عجز العالم عن إيقافها.
وسط هذا الظلام، تظل قيمة هذه الرسالة أنها تفتح نافذة نحو أفقٍ مختلف، أفقٍ لا يقوم على إدارة الحروب، بل على منعها قبل أن تتسع دائرتها.
لحظة تحتاج إلى قرارٍ شجاع…
قرار يرى أبعد من المدى العسكري، ويحسب كلفة البقاء لا كلفة المواجهة فقط.
اختبار حقيقي يواجه العقل السياسي في منطقتنا:
هل يستمر في الدوران داخل دوائر الأزمات… أم يبدأ في كسرها؟
ما طرحه تميم البرغوثي يتجاوز حدود النص، ليصبح دعوة مفتوحة لإعادة ترتيب الأولويات، واستعادة القدرة على الفعل بدل الاكتفاء برد الفعل.
معادلة اللحظة لم تعد تقاس بمن ينتصر، بل بمن ينجو، وبمن يحافظ على ما تبقى من توازن في إقليمٍ يترنح.
رسالة تميم لم تكن تعليقًا على ما جرى…
بل محاولة لإيقاف ما قد يجري.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى