الدكتور أيمن نور يكتب: من التنظيم إلى الفكرة… يستعيد المعنى سيادته

قراءة متأنية لما كتبه الصديق العزيز عماد الدائمي لا تفتح بابًا للنقد بقدر ما تفتح أفقًا للتفكير. نصٌ لا يُخاصم التنظيمات بقدر ما يُحرّرها من أوهامها، ولا يهدمها بقدر ما يدعوها لأن تعود إلى أصلها الأول؛ وسيلة لخدمة فكرة، لا فكرة تُختزل في وسيلة.
سؤال إبراهيم عليه السلام لم يكن يومًا مجرد خطاب لقومٍ عبدوا أصنامًا من حجر، بل كان تأسيسًا مبكرًا لفكرة تحرر الإنسان من كل ما يصنعه ثم يخضع له. تلك اللحظة التي يتحول فيها “المنحوت” إلى “معبود” هي ذاتها اللحظة التي يتحول فيها التنظيم من أداة إلى سلطة، ومن فكرة إلى قيد.
جوهر ما يطرحه عماد الدائمي يتجاوز نقد التجربة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والتنظيم. ليس المطلوب هدم الهياكل، بل كسر هالة القداسة التي تحيط بها. التنظيم، في لحظته النقية، تعاقد حر بين أفراده حول هدف مشترك، لكنه في لحظات الانغلاق يتحول إلى كيان يفرض منطقه الخاص، ويطلب الولاء لذاته لا لما وُجد من أجله.
التجربة الإنسانية لم تخلُ من لحظات مراجعة شجاعة. في جنوب أفريقيا، لم يتردد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في إعادة تعريف ذاته بعد سقوط نظام الفصل العنصري، منتقلاً من حركة مقاومة إلى حزب حاكم، دون أن يتخلّى عن جوهر العدالة، لكنه غيّر أدواته ولغته وتحالفاته. لم يُقدّس شكله القديم، بل فهم أن البقاء للفكرة لا للقالب.
في أوروبا، تحولت أحزاب عمالية اشتراكية عريقة، مثل حزب العمال البريطاني، عبر عقود طويلة، من خطاب طبقي صارم إلى خطاب اجتماعي مرن، دون أن تتخلى عن فكرة العدالة الاجتماعية، لكنها أعادت تقديم نفسها بلغة جديدة تستوعب تحولات الاقتصاد والمجتمع. لم تُغيّر الفكرة، لكنها غيّرت الطريقة.
تجربة إيطاليا تقدم نموذجًا أكثر جرأة. فبعد فضائح الفساد في تسعينيات القرن الماضي، لم تتردد أحزاب كاملة في حل نفسها وإعادة التشكّل بأسماء جديدة، محاولة استعادة الثقة العامة. لم يكن تغيير الاسم مجرد تجميل، بل إعلان ضمني بأن الأخطاء لا تُدار بالإنكار، بل بالمراجعة وإعادة البناء.
في أمريكا اللاتينية، شهدت دول مثل تشيلي والبرازيل تحولات مشابهة، حيث أعادت قوى سياسية تعريف نفسها بعد إخفاقات اقتصادية أو سياسية، محافظة على خطوطها العامة، لكنها طوّرت أدواتها، واستوعبت دروس الواقع. لم يكن ذلك ضعفًا، بل نضجًا.
هذه النماذج تكشف قاعدة بسيطة؛ التنظيم الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى عبء على فكرته. والكيان الذي يخشى التغيير يفقد قدرته على التأثير. الخطأ ليس في الوقوع، بل في الإصرار على البقاء في موقع الخطأ تحت لافتة “الحفاظ على التنظيم”.
قراءة أعمق لما بين سطور مقال عماد الدائمي توحي بأن الأزمة ليست في التنظيمات ذات المرجعيات العقائدية فقط، بل تمتد إلى تنظيمات تُصنّف نفسها ليبرالية أو مدنية، لكنها تمارس، في لحظات معينة، نفس منطق الانغلاق. الشكل يختلف، لكن المرض واحد؛ الخوف من السؤال.
تجارب ممتدة عبر قرن كامل في عالمنا العربي تقدم دروسًا قاسية. تنظيمات نشأت بفكرة إصلاحية كبرى، وامتلكت طاقة تعبئة هائلة، لكنها حين واجهت لحظة المراجعة اختارت الدفاع عن الشكل بدل مراجعة المضمون، ففقدت جزءًا من قدرتها على التأثير، رغم بقاء حضورها التنظيمي.
رسالة التلميح هنا ليست نقدًا بقدر ما هي دعوة؛ قرنٌ من الزمن كافٍ ليُعاد طرح السؤال الأول. هل ما زالت الوسيلة تخدم الغاية؟ أم أصبحت الغاية مجرد ذريعة لبقاء الوسيلة؟
أما في الحالة المصرية، فإن حزب الوفد، الذي تجاوز عمره القرن، يقف اليوم أمام سؤال مشابه. تاريخ عريق لا يكفي وحده لضمان الحضور. الجماهير لا تُجدد ولاءها للذكريات، بل لما تراه من قدرة على التجدد. عودة شخصيات لها حضورها وثقلها، مثل السيد البدوي، قد تمثل فرصة لإعادة بناء الثقة، لكن ذلك يظل مرهونًا بقدرة الحزب على مراجعة ذاته، لا الاكتفاء باستدعاء تاريخه.
التنظيمات الكبيرة لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء حين تفقد قدرتها على الاستماع. أخطر ما يمكن أن يصيب أي كيان سياسي هو أن يتحول إلى دائرة مغلقة، يردّد أعضاؤها نفس العبارات، ويخافون من أي صوت مختلف.
الفكرة التي يدافع عنها عماد الدائمي، والتي أجد نفسي أقرب إليها يومًا بعد يوم، هي أن المستقبل ليس للتنظيمات الأكثر صلابة، بل للأكثر مرونة. ليس للأكثر انضباطًا، بل للأكثر قدرة على النقد الذاتي.
ذاكرة شخصية تعود بي إلى لقاء جمعني بهذا الرجل في عام 2013، لم يكن لقاءً عابرًا كما ظننته حينها، بل كان بداية تقاطع مسارات فكرية. سنوات مضت، ولم تنقطع خيوط الحوار، لكن الأشهر الأخيرة تحديدًا كشفت مساحة أوسع من التلاقي، تكاد تقترب من التطابق في الرؤية، رغم اختلاف المنطلقات أحيانًا.
قيمة هذا التلاقي لا تكمن في التشابه، بل في القدرة على العبور فوق الفواصل الأيديولوجية الضيقة. حين تصبح الفكرة أوسع من التصنيف، ويتقدم الوطن على التنظيم، يبدأ المعنى الحقيقي للسياسة.
ما يطرحه عماد الدائمي ليس مجرد نقد تنظيمي، بل مشروع وعي. وعيٌ يُدرك أن التنظيمات أدوات مؤقتة، وأن الفكرة وحدها هي التي تستحق البقاء. وأن التضحية بالوسيلة أحيانًا هي الطريق الوحيد لإنقاذ الغاية.
التنظيم الذي لا يقبل أن يُعاد تشكيله، يُعاد تشكيل الواقع من حوله بطريقة تُقصيه. والتاريخ لا ينتظر أحدًا.
نصيحة لا تفرض نفسها، بل تُعرض؛ المراجعة ليست هزيمة، بل شجاعة. والتجديد ليس خيانة، بل وفاء للفكرة الأولى.
مساحة الأمل لا تزال مفتوحة. كل تنظيم يملك فرصة جديدة ما دام قادرًا على طرح السؤال الذي بدأ به إبراهيم؛ هل ما نصنعه يخدمنا… أم أصبحنا نحن من نخدمه؟
هنيئًا لـ تونس بـ عماد الدائمي… عمادًا لفكرة تتجاوز الحدود، ومهندسًا يعيد رسم خرائط الإصلاح بعقلٍ بارد وقلبٍ دافئ، وبحرفية مناضلٍ لم يتعب من الحلم، ولم يساوم على المعنى.







