
عندما تُحاط بجيرانٍ في صورة أعداء، وحلفاء سياسيين في هيئة سماسرة، فأنت في اختبارٍ قد يصعب عليك اجتيازه، ولن يفيدك التكتيك السياسي أو السعي الدبلوماسي لصد خطر الطرفين إن لم تكن في جاهزية عسكرية، واكتفاء اقتصادي، ونسيج اجتماعي قوي؛ فكلاهما يراك فريسة ويتحين الفرصة لالتهامك. وما بدأته أمريكا وإسرائيل من حرب عبثية مع إيران ليس إلا شكلاً من أشكال التهيئة لافتراس دول الخليج، ورفع كلفة الحماية، أو الإغراق في مستنقع حرب غير معلومة المصير والعواقب على أمن المنطقة واستقرارها.
ورغم عبثية تلك الحرب من حيث المعطيات الاستخباراتية والتقديرات الاستراتيجية، ومستوى خطورة إيران بالنسبة لمن اتخذ قرار خوضها، إلا أن الغاية منها باتت واضحة: وضع دول الخليج تحت ضغط استراتيجي دائم، وزيادة احتياجها للحماية الأمريكية، وإرغام بعض الدول على التطبيع مع إسرائيل؛ كما رأينا مؤخراً في محاولات دفع لبنان نحو الاعتراف بإسرائيل ونزع سلاح حزب الله مقابل وقف الحرب. تلك هي “تيمة” الحرب الرئيسية: مرحلة متقدمة لكسر عزلة الاحتلال وفرض هيمنته من خلال خلق الفوضى حول دول مستقرة وغنية، يدرك الاحتلال أنها لن تتحمل اضطراباتٍ تُطوق محيطها الجغرافي وتؤثر على قدراتها الاقتصادية، مما قد يدفعها للحل الأقرب وهو الارتماء في أحضان الكيان والتعاون معه.
لم تكن إيران سوى “فزاعة” أكثر منها مشروعاً سياسياً حقيقياً ومقنعاً يوازن بين الرغبة في النفوذ وبين رعاية المصالح واحترام سيادة الدول؛ بل قدمت نفسها كمشروع فوضوي بلا رؤية استراتيجية حقيقية، واستعدت الشعوب العربية جراء ما فعلته في سوريا ولبنان واليمن والعراق. إن كل مشاريعها كانت تتماهى مع المصالح الغربية والأمريكية والإسرائيلية؛ فالخراب الذي خلفته في دول عربية عدة يصب في صالح إسرائيل والولايات المتحدة في المقام الأول، كما أن ما يحدث الآن يصب في صالحهما أيضاً؛ فأمريكا لا تريد لهذه المنطقة أن تنعم بالاستقرار طالما ظلت إسرائيل خارج “التصنيف الشرعي” في عقيدة وسياسات دول المنطقة وشعوبها.
لقد كانت إيران مطية للأمريكان في حربها بالعراق وأفغانستان، ولم تألُ جهداً في مساعدة أمريكا لتفتيت العراق واختراقه بميليشيات طائفية، بل إن إسرائيل ساعدتها في حربها ضد صدام حسين في الثمانينات، وفضيحة “إيران – كونترا” شاهدة على ذلك. إذن، دور إيران هو أن تكون مصدر قلق ومعول هدم لزعزعة استقرار الدول القريبة والبعيدة، ولم تكن يوماً جار سلام يحترم السيادة، بل ظاهرت بالعداء للدول العربية تحت شعارات طائفية لا تقل تخلفاً عن نبوءات الاحتلال التلمودية التي صاغها بعض المغيبين عقليا تحت تأثير أساطير الأولين.
لكن العرب لم ينطلِ عليهم الاستدراج إلى الفخ الإيراني هذه المرة، وقد تجلى ذلك في نضج الخطاب السياسي الأخير الذي فند الأحداث بدقة وكشف غاياتها؛ فمن يتعلم من درس العراق لا يقع في الفخ الإيراني. ولم نعد بحاجة إلى شرح لفهم عقلية الأمريكي وربيبته إسرائيل، فغايتهما تقسيم دول الشرق الأوسط وإضعافها لتخلو الساحة لإسرائيل وتتحول إلى قوة إمبريالية تقود الجميع. لذلك، كان الأجدر بإيران أن تسلك مع الدول العربية مساراً عقلانياً مغايراً لحشد مواقف سياسية تدافع عنها ما دام “العدو واحداً” كما تدعي؛ فحين تكون ضعيفاً أمام عدوك، فمن الأحسن أن تكسب تعاطف محيطك لفضح خصمك أخلاقياً أمام العالم بدلاً من ضرب جيرانك والإضرار بمصالحهم. إن “الكبر الفارسي” قد يقضي على أحلام دولة الفقيه، وربما يتكرر سيناريو صدام حسين مع إيران، فالذرائع تختمر يوماً بعد يوم لتشكيل تحالف دولي يسعى لإسقاطها.
أما عن مصر، فهي الدولة الوحيدة التي تلعب بتوازن سياسي حتى الآن لرأب الصدع واحتواء الصراع، وهي الأخرى في مرمى الاستهداف الإسرائيلي، وليست بمعزل عن الخطر وإن تأخر دورها في قائمة المستهدفين، لذلك تتحرك مصر بعقلية دبلوماسية نشطة، لا يزعجها “طنين” الذباب الإلكتروني الذي يتهمها بالخذلان بهدف دق إسفين صهيوني لتعكير العلاقة بين مصر والخليج. مصر لم تخذل أشقاءها، بل هي التي خُذلت كثيراً، ورغم ذلك لم تتطاول على أحد، لقد حاول الكثيرون النيل منها حنقاً على ثقلها التاريخي والحضاري، وما زال هناك من يريد تصدير صورة واهمة بأن دور مصر قد انتهى وبات أثراً من الماضي؛ لكن مصر ما زالت تملك السواعد والعزائم، ولن تُضام وهي موصولة الفتوة برجال أشداء، ومع كل أزمة، تُثبت مصر أنها سيدة الحلول الوسطى وحجر زاوية الاستقرار في المنطقة، ومن دونها ينفرط العقد ويسقط عمود الخيمة؛ فالكبير يبقى كبيراً وإن أصابته كبوة عابرة.







