“مغارة علي بابا” في دهاليز الثقافة.. عصابة “الأرقام الفنكوش” واغتيال الوعي المصري باسم “سينما الشعب”

قبل أن نبدأ في تفكيك المشهد، دعونا نتفق أن ما يحدث في الهيئة العامة لقصور الثقافة ليس مجرد خلل عابر يمكن تبريره أو تجاوزه، بل هو نموذج صارخ لانهيار المعايير داخل مؤسسة يفترض أنها حارسة للوعي، حيث تختلط الأدوار وتتبدل القيم، ويتحول العمل الثقافي من رسالة تنوير إلى أداة لتحقيق مصالح ضيقة، في مشهد يثير الدهشة والغضب معاً، ويطرح سؤالاً حاداً حول من يدير الثقافة فعلياً، ولمصلحة من تُدار .
بينما تنتظر الجماهير المصرية زاداً ثقافياً يرتقي بالوجدان، وتحت ستار “دعم السينما” وتوصيل الفن للأقاليم، تدور خلف الأبواب المغلقة في وزارة الثقافة وهيئة قصور الثقافة واحدة من أكبر عمليات “الخداع الاستراتيجي” للرأي العام، نحن لسنا أمام مجرد سوء إدارة، بل نحن أمام “شبكة مصالح” عنكبوتية يقودها “جنرال” بقلب موظف و”كومبارس” برداء مسؤول، وموظفون تحولوا إلى “ترزية” بيانات لتمرير صفقات مشبوهة وإهدار صريح للمال العام .
أضلاع “المربع الفاسد”: كيف تدار “عزبة” الثقافة؟
التقرير الذي بين أيدينا اليوم يكشف كيف تلاقت مصالح أربعة أسماء ليمارسوا “البلطجة الثقافية” تحت مسمى “سينما الشعب”، حيث يظهر اللواء خالد اللبان كمساعد الوزير بعقلية مدنية بخلفية أمنية يدير الثقافة بمنطق الدفاتر المنتظمة بينما الواقع ينزف إهداراً للموارد، ويأتي عمرو البسيوني كوكيل وزارة دائم بدور “مهندس الصمت” الذي يثبت أركان الشبكة ويمرر قرارات تخدم المصالح الضيقة على حساب المبدعين الحقيقيين .
أما تامر عبدالمنعم المسؤول عن “سينما الشعب” فقد انتقل من أدوار السنيد إلى دور البطولة المطلقة في تبديد ميزانيات الهيئة مستغلاً شاشات مغمورة للترويج لنجاحات وهمية، بينما يظهر محمد يوسف مدير المكتب كـ”ظل” يحرك الأوراق ويطبخ البيانات المضللة لتقديمها للوزيرة على أنها إنجازات تاريخية، في مشهد يعكس تكاملاً واضحاً بين أطراف المنظومة لتحقيق أهداف لا تمت للثقافة بصلة .
أكذوبة الإيرادات: “فنكوش” الملايين وخدعة الـ 40 جنيهاً
يخرج هؤلاء ببيانات مضروبة تتحدث عن ملايين الجنيهات في موسم عيد الفطر 2026، لكن القراءة المتأنية تكشف تناقضات صارخة، فكيف يمكن لفيلم مثل “إيجي بست” أن يحقق سبعة ملايين في يوم ثم يقفز إلى اثني عشر مليوناً خلال ثلاثة أيام، في حين أن سعة قاعات “سينما الشعب” في الأقاليم لا تستوعب هذا العدد حتى مع تشغيلها بشكل متواصل، ما يكشف خللاً واضحاً في مصداقية الأرقام المعلنة .
أما خدعة الأربعين جنيهاً التي يتم الترويج لها باعتبارها دعماً للفقراء فهي في الحقيقة آلية حشد غوغائي، حيث يتم استخدام قاعات الدولة بإمكاناتها من كهرباء وموظفين وصيانة لخدمة موزعين خاصين يحصلون على النصيب الأكبر، بينما تكتفي الهيئة بعائد ضعيف لا يغطي حتى تكلفة التشغيل الأساسية، لتتحول المبادرة من دعم ثقافي إلى مشروع استنزاف مالي مقنع .
كما أن الإحصائيات المعلنة المنسوبة للموزع محمود الدفراوي تخص السوق التجاري العام، لكن يتم نسبها إلى “سينما الشعب” لإيهام القيادة بوجود نجاحات كبيرة، بينما الحقيقة تشير إلى غياب أي إيراد فعلي يدخل خزينة الدولة بعد خصم التكاليف التشغيلية، وهو ما يعكس تضليلاً منظماً يستهدف تجميل صورة مشروع يعاني من خلل جوهري .
هل هذه ثقافة أم “نشر للعهر الفني”؟
المشكلة لا تتوقف عند المال بل تمتد إلى مضمون ما يُعرض، حيث يتم تقديم أفلام مثل “برشامة” الذي يكرس لفكرة الغش والفهلوة ويهبط بالذوق العام إلى مستويات من الكوميديا العبثية الرخيصة، إلى جانب “فاميلي بيزنس” الذي يروج لفكرة أن الخداع والسرقة هما الطريق للثراء، وهو ما يحمل رسائل سلبية تضرب القيم الأسرية وتعيد تشكيل وعي الجمهور بشكل خطير .
أما فيلم “سفاح التجمع” فقد سحبته الرقابة بقرار شجاع بسبب محتواه العنيف، ومع ذلك حاول المسؤولون تمريره عبر “سينما الشعب” لولا يقظة الجهات الرقابية التي كشفت عدم تطابق النسخة المعروضة مع النص المجاز، وهو ما يكشف إصراراً على تمرير محتوى مرفوض مجتمعياً، ويؤكد أن ما يحدث هو اغتيال ممنهج للذوق العام تحت غطاء رسمي .
الفساد الإداري: عندما تصبح القصور “دكاكين” للتربح
تحويل أكثر من عشرين قصر ثقافة إلى دور عرض تجارية أدى إلى تعطيل الأنشطة الثقافية الحقيقية مثل المسرح والفنون التشكيلية والندوات، حيث أصبحت هذه القصور تخدم مصالح الموزعين وأرباح القائمين على المشروع، بدلاً من أداء دورها الأساسي كمراكز إشعاع ثقافي، وهو ما يمثل انحرافاً خطيراً عن الهدف الذي أنشئت من أجله هذه المؤسسات .
كما تثار شبهات حول توريدات تجهيز القاعات، إذ تشير تقارير إلى وجود تلاعب في عقود شراء أجهزة العرض والشاشات بأسعار مرتفعة رغم كونها منخفضة الجودة ولا تليق بمستوى الدولة، وهو ما يعكس وجود فساد إداري واضح يستنزف الموارد ويؤكد أن المشروع لم يُبنَ على أسس سليمة من البداية .
الكومبارس ولواء الشرطة السابق يقودان أخطر فضيحة ثقافية
إن من يحيطون بوزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي ويقدمون لها صورة وردية عن النجاح هم أنفسهم من يدفعون بالمركب نحو الغرق، فقد تحولت “سينما الشعب” في ظل هذه الإدارة إلى وسيلة لتحقيق مكاسب خاصة، ولم تعد مشروعاً ثقافياً يخدم الجمهور، بل أصبحت عبئاً على الدولة وصورة مشوهة لدور الثقافة الحقيقي .
إن الترقيات التي ينتظرها هؤلاء ليست مستحقة، بل إن المحاسبة هي الطريق العادل، فقد سقط القناع عن “عصابة الأرقام الفنكوش”، ولم يعد بالإمكان إخفاء الحقيقة، فالثقافة المصرية لن تكون وليمة لهؤلاء الفاسدين، بل ستظل ساحة للدفاع عن الوعي والهوية مهما حاول البعض العبث بها .
ولأن الحقيقة لا تموت مهما حاول البعض دفنها تحت ركام البيانات المزيفة والإنجازات الوهمية، فإن لحظة المواجهة باتت أقرب من أي وقت مضى، حيث لم يعد مقبولاً استمرار هذا العبث بمقدرات الدولة وعقول الناس، ولم يعد الصمت خياراً أمام هذا النزيف المستمر، فإما أن تُستعاد هيبة الثقافة كمشروع وطني حقيقي، أو تُترك نهباً لمن يحولونها إلى سوق للمصالح، والتاريخ لا يرحم من باع الوعي بثمن رخيص .







