مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: سوريا في تقرير Freedom House 2026: توصيف حقوقي في ضوء المعايير الدولية

يغطي تقرير Freedom in the World 2026 الصادر عن منظمة Freedom House الفترة الممتدة من الأول من كانون الثاني/يناير 2025 وحتى الحادي والثلاثين من كانون الأول/ديسمبر 2025، ويقدّم تقييمًا عامًا للحقوق السياسية والحريات المدنية في مختلف دول العالم. وفي هذا السياق، صُنّفت سوريا ضمن الدول “غير الحرة”، وهو تصنيف يعكس استمرار القيود الواسعة على الحقوق الأساسية في البلاد.

ويشير التقرير، في الوقت ذاته، إلى أن سوريا كانت من بين الدول التي سجلت تحسنًا ملحوظًا خلال عام 2025، حيث ورد أنها من الدول التي حققت أكبر المكاسب على مستوى العالم، مع زيادة في مجموع نقاطها بلغت خمس نقاط، نتيجة ما وصفه التقرير بـ”تقدم محدود” في إعادة بناء المؤسسات السياسية وتخفيف بعض القيود المفروضة على الحقوق الأساسية . ومع ذلك، يؤكد التقرير أن هذا التحسن لم يؤدِّ إلى تغيير التصنيف العام، حيث بقيت سوريا ضمن فئة الدول غير الحرة.

يعكس هذا التصنيف واقعًا سياسيًا يتسم بغياب الشروط الجوهرية للعملية الديمقراطية، إذ إن البيئة السياسية لا تتيح منافسة حقيقية أو تعددية فعالة، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية للانتخابات الحرة كما وردت في المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وفي هذا الإطار، لا تقتصر الإشكالية على الجوانب الإجرائية للعملية الانتخابية، بل تمتد إلى البنية السياسية ككل، حيث تظل القدرة على المشاركة السياسية الفعلية محدودة، ويصعب على المواطنين التأثير في اختيار قيادتهم.

أما على مستوى الحريات المدنية، فيقدّم التقرير توصيفًا عامًا لبيئة تتسم بقيود واسعة على حرية التعبير والتجمع وتداول المعلومات، وهو ما يثير إشكالات قانونية تتعلق بمدى توافق هذه القيود مع مبدأي الضرورة والتناسب في القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما أن محدودية التعددية الإعلامية وغياب بيئة مستقلة للعمل الصحفي تؤثر بشكل مباشر على الحق في الوصول إلى المعلومات وعلى تشكيل الرأي العام الحر.

وفي ما يتعلق بسيادة القانون، يعكس التقييم العام وجود تحديات بنيوية في ضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق الفردية، وهو ما يظهر من خلال استمرار القيود على استقلال المؤسسات، وضعف آليات المساءلة، وغياب الحماية الفعالة من الانتهاكات الجسيمة. ومن منظور القانون الدولي، تثير هذه المعطيات مسائل تتعلق بحظر التعذيب، والحق في الحرية والأمان الشخصي، وواجب الدولة في حماية الأفراد من الانتهاكات.

كما يتناول التقرير تأثير النزاع المستمر، الذي أدى إلى تعقيد المشهد القانوني والحقوقي، نتيجة تعدد الجهات المسيطرة واختلاف أنماط الانتهاكات، وهو ما يجعل تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني أكثر صعوبة، رغم استمرار سريانها على جميع أطراف النزاع دون استثناء.

وفي جانب الحوكمة، يشير التقييم إلى استمرار التحديات المرتبطة بالفساد وضعف الشفافية، وهو ما يؤثر على مبدأ الحكم الرشيد ويضعف من قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها الحقوقية. كما أن الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك النساء وبعض المجموعات الاجتماعية، تواجه قيودًا إضافية، ما يثير إشكالات تتعلق بمبدأ عدم التمييز.

وفي ما يتعلق بالمجتمع المدني، يبرز التقرير بيئة مقيدة تحد من قدرة المنظمات المدنية على العمل بحرية، وهو ما يؤثر على دورها في تعزيز الحقوق والحريات، ويضعف أحد المرتكزات الأساسية لأي نظام ديمقراطي.

في المجمل، يقدّم تقرير Freedom House 2026 صورة مركّبة للوضع في سوريا، تجمع بين استمرار القيود البنيوية على الحقوق والحريات من جهة، ووجود مؤشرات محدودة على تحسن جزئي من جهة أخرى. غير أن هذا التحسن، كما يوضح التقرير، لا يزال محدودًا، ولم يصل إلى مستوى إحداث تغيير جوهري في طبيعة النظام الحقوقي أو في تصنيف البلاد وفق البلاد الغير حرة .

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى