
في كل مرة يُعيَّن فيها مسؤولٌ جديدٌ، «أيًّا كان منصبه»، في موقع تنفيذي، تُفتَح صفحة «بيضاء»، تحمل وعودًا بالنجاح والتجديد والإصلاح، وتُعلَّق عليها آمال عريضة بإحداث نقلة نوعية في الأداء والنتائج.
تلك الصفحة «الجديدة» في الإدارة، سرعان ما تمتلئ بسيناريو مكرر، يكاد يكون قاعدة غير مكتوبة، وهي استبدال «أهل المرحلة السابقة» بـ«أهل الثقة»، تحت لافتة براقة عنوانها «الانسجام» و«روح الفريق».. وهنا تبدأ الحكاية، أو بالأحرى، تتكرر!
اللافت أن المسؤول «الجديد» ـ في معظم الأحوال ـ لا يأتي وحده، بل مصحوبًا بفريقه، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ«الحاشية» أو «الشِّلَّة»، التي غالبًا ما تكون مُشكّلة مسبقًا، وجاهزة للانتشار في مفاصل المؤسسة.
بالطبع، التناغم بين المسؤول وفريقه مطلوب وضروري، لكن الإشكالية لا تكمن في استقدام فريق جديد، بل في الإطاحة الجماعية بكل مَن سبق، وكأن المؤسسة كانت مليئة بالفشل المطلق، أو أن كل مَن عمل فيها قبل هذا «العهد الجديد» لم يكن سوى عبء يجب التخلص منه!
بهذه البساطة، يُعاد تصنيف الكفاءات بين ليلة وضحاها، من «خبرات متراكمة» إلى «إرث ثقيل»، ومن «أهل خبرة» إلى «بقايا مرحلة»، إذ لا يُمنح هؤلاء فرصة التقييم الموضوعي، ولا يُنظر إلى أدائهم بمعايير مهنية، بل يُحكم عليهم بانتمائهم الزمني لا الوظيفي، وكأن معيار النجاح أو الفشل بات مرتبطًا بمعايير أخرى!
للأسف، في بعض الحالات، يُعاد تدوير بعض السابقين في مواقع لا تمت بصلة إلى خبراتهم، في عملية أقرب إلى «نقل الفشل»، بدلًا من معالجته، فالموظف الذي كان يعمل في مجال تخصصي دقيق، يجد نفسه فجأة في موقع إداري عام، أو في وحدة هامشية، لا يُستفاد من خبراته، ولا يُحاسَب على نتائج لا يملك أدواتها.. وهكذا تتحول تلك الجهة إلى ساحات لتجارب إدارية، لا إلى بيئات إنتاجية قائمة على التخصص والكفاءة!
في المقابل، تتضخم أعداد المستشارين، وتُفتح الأبواب لتعيينات جديدة تحت مسميات مختلفة، وترتفع الرواتب والمخصصات، وتُنسج حول المسؤول دائرة من «الناصحين» الذين يجيدون قول ما يُرضيه، لا ما يُصلح، وبالتالي تتحول فكرة «فريق العمل» إلى ما يشبه الصدى، حيث يُعاد إنتاج الرأي نفسه بأصوات متعددة!
المفارقة أن هذه التغييرات الجذرية، التي تُسوَّق باعتبارها شرطًا للنجاح، لا تُترجم غالبًا إلى نتائج ملموسة، وللك قد تمر أشهر، وربما سنوات، من دون إنجازات تُذكر، أو بإصلاحات شكلية لا تمسُّ جوهر الأزمات.
ومع كل الإخفاقات، قد يستمر المسؤول في موقعه، محاطًا بذات الفريق، وبذات الخطاب، إلى أن يأتي وقت التغيير، فيُغادر كما جاء، تاركًا وراءه صفحة أخرى، تُضاف إلى سجل «الصفحات البيضاء» في هذا المنصب!
لعل المفارقة أن تلك النوعية من المسؤولين تنطبق عليهم مقولة «ستفهمون عندما تتغيرون وتغادرون»، والتغيير هنا لا يبدو أنه أداة للفهم، بل وسيلة لإعادة إنتاج الغموض ذاته، فلا يفهم المسؤول لماذا جاء أصلًا، ولماذا لم تنجح خططه، كما لا يفهم فريقه المعاون لماذا لم تُترجم جهودهم إلى نتائج، والأهم من ذلك أن لا أحد يعرف ماذا حدث أصلًا؟!
إن المشكلة في جوهرها، ليست في «أهل الثقة» ولا في «أهل الكفاءة»، باعتبارهما مفهومين متناقضين، لأن «الثقة» حين تُبنى على المعرفة والخبرة، تتحول إلى قوة دافعة للإنجاز، أما حين تُختزل في الولاء الشخصي، فإنها تصبح عبئًا على الأداء، وكذلك «الكفاءة»، حين يتم إقصاؤها لصالح الانسجام الشكلي، تفقد قيمتها، وتتحول إلى مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.
نتصور أن إدارة المؤسسات لا تُبنى على القطيعة مع الماضي، بل على تراكم الخبرات، واستثمار ما هو قائم، وتطويره، والتغيير الحقيقي لا يعني الإطاحة بالجميع، بل إعادة توزيع الأدوار وفق معايير واضحة، تشمل التوازن بين الثقة والكفاءة، والانسجام والتنوع، والاستمرارية والتجديد.
أخيرًا.. إذا استمر الوضع على هذا النحو، ستظل المؤسسات تدور في حلقة مفرغة، وسيأتي كل مسؤول ليبدأ من الصفر، ويغادر بعد كل هذا العناء، قبل أن يصل إلى تحقيق أي هدف.. وما بين البداية والنهاية، يبقى السؤال الأهم: أين الشعب في كل ما يحدث، وهل المشكلة تكمن في الأشخاص، أم في المنهج الذي يعيد إنتاجهم؟!





